الفنان التشكيلي السعودي فهد الربيق، رسام بأنامل من ذهب، يحمل في جعبته إبداعاً مليئاً بتاريخ راقٍ وبمشاركات ثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها. أبهرتني مشاركته ضمن معرض الكتاب الدولي في بيروت في دورته الخامسة والخمسين- الجناح السعودي. توقفت للحظات أتساءل وأحاور لوحاته التي تحمل أبعاداً عميقة، فصعب عليّ تفسيرها لكثرة صعوبة تفسير جمالية ومعاني تلك الرسوم التي حملت في طيّاتها ثقلاً من الغرابة والخبرة. لم أتوقف عند تلك التساؤلات الممزوجة بوهلة من الحيرة كثيراً، ذاك أن شخصاً كان قد توجه نحوي  ليسألني (وهنا لم أكن أعلم من هو هذا الشخص الذي بادرني بالسؤال: هل أنتِ من رسم كل تلك اللوحات؟!!). للوهلة الاولى ضحكت قائلة: كنت أتمنى ذلك، لكن عذراً لست أنا”. هنا عرّفني بنفسه، فكان ذاك الشخص، الرسام القدير فهد الربيق.

 هنا بدأت تساؤلاتي تجد طريقها الى تفسير ذاك الغموض الحميد فاستعلمت منه أكثر وأكثر عن تلك المعاني والحوافز التي دفعت به  الى مزج كل تلك الالوان والخطوط في أعمال رائعة جمع فيها نمو واضح وتجربة متميزة.

 هذا الفنان يُشعرك بالجمال في اعماله حين يتحدث عنها بشغف وكأنه التقط للتو ريشته وشرع يرسم للمرة الأولى.

سألته عن هذا الجمال الذي يسكن لوحاته ويصل الى كل من يشاهدها قال:

“البيئة المحيطة بالرسام هي مؤثر قوي. والالوان هي أحاسيس داخلية تحاور اللوحة وتفاصيلها بشكل دقيق يثري الفراغات والرؤية ينفرد بمزجها خيال الفنان واسقاطاته ورسائله من خلال كل قصة مع اللوحة. أقرأ ما في داخلي ثم أفصح عنه عبر الخط واللون معاً. أما الإبداع فهو مرحلة اكتشاف لدواخل جمالية أسبر أغوارها لأعلنها في لغة الكلمات، الخطوط  والألوان الى العلن.”

زلفا عسّاف

دقت الساعة السادسة في التاسع من شهر حزيران 2011… وها هم المنظمون يراقبون أدق التفاصيل حتى اللحظات الأخيرة. العارضون يتهيأون لاعلان نقطة الانطلاق، والكلّ بات في حركة غير اعتيادية… صوّبت الأنظار نحو ذاك المدخل العملاق في محلّة الكرنتينا، حيث غاليري إدمون بطرس الراقي، فارتفعت أصوات موسيقى العازفين، لتزّف الحدث بفخر، وبدأ العدّ العكسي 0,1,2,3,4  .
هنا اختلطت أصوات الترحيب، فتزاوجت مع تلك النغمات الموسيقية المتصاعدة وسط ترحيب تعبيري “لتماثيل طليت بلون الذهب اللامع تعبيراً عن ريشة الرسامين” وقد جسدتها فتيات الاستقبال، لتزيد من أناقة الترحيب. خطت أولى خطواتها باتجاه الباب الرئيسي، فشمخت بطلّتها الآخاذة… كيف لا! وهي إبنة رجل الاستقلال رياض الصلح. وبضحكتها المعهودة وتواضعها المُحبب حيّيت الحضور…  أهلاً بتلك الرعاية الكريمة للوزيرة ليلى الصلح حماده… عبارة أطلقها رجل الاعمال وممثل الطائفة القبطية في لبنان، السيد إدمون بطرس، الذي أطلق معرض ألوان بجزئه الثالث، ليكون منبراً للفن الأصيل. تتالت عبارات الترحيب من قبل الحضور الكريم والفعاليات الفنيّة، الاجتماعية، الدينية، الاعلامية والأمنية التي حضرت للمشاركة في الاحتفال .
وبعد أن جالت الصلح في الطابق الأرضي حيث مجسّمات عيدان الكبريت من إبداع الفنان توفيق ضاهر، ومنها سفينة التايتنك التي دخلت موسوعة غينس للأرقام القياسية. توجهت نحو الطابق الثالث حيث صالة العرض، لتجول على أجنحة العارضين. هناك حيث أبدت اهتماماً ملحوظاً بتلك المواهب المحترفة والمخضرمة التي عرضت نخبتها الفنيّة في لوحات تحدثّت كلّ منها بلغتها الخاصة. ففي حين يبتسم لك إطار تخرج من بين حناياه رؤية معبرة بمخيّلة مبدعها، يستقبلك إطار آخر بترحاب خطوطه المتشابكة وبألوانه الأشبه بالموزاييك، ليجعلك تفسرّ معاني مضمونه، وفق ما يسقطه عليك من إيحاءات، منها الغامضة ومنها قد يكون سهل التفسير.. إلا أن تلك المعاني تحمّل في طيّاتها غنىً وأصالة وذوقاً رفيعاً. كما وتقبع في الجهة المقابلة، منحوتات من الشمع بألوان زاهية، جسّدت وجوهاً ومجسمات مختلفة.
أكملت السيدة الصلح، فجالت على الأجنحة حيث عرض اكثر من عشرين رساماً أعمالهم العابقة بالابعاد الراقية. وتوقفت مطولاً في الجناح الثاني من المعرض، حيث يعرض ذاك الطفل الصغير، ميل- كريست هاشم ذو الخمس سنوات، 20 لوحة من إبداعاته، فألقت عليه التحية كما عبّرت له عن إعجابها بلوحات جعلتها تتأثر وتمعن النظر أكثر فأكثر .. وما لبث ذاك الملاك ان تقدم نحوها بثقة ليقدّم لها لوحتين من أعماله. وبإعجاب كبير، بدت السيدة الصلح مندهشة من ذاك الواثق الذي استفاض بالاجابة على اسئلتها وكأنه اعتاد فن الخطابة. بقبلة وغمرة ودعته وتمنت عليه ان يثقل موهبته  ليصبح من كبار الفنانيين العالميين. وتجدر الاشارة الى أن اللجنة المنظمة، قد اختارت هاشم للمشاركة في المعرض للمرة الثانية على التوالي، كأصغر رسام في لبنان….
في معرض ألوان 3، نسجت كل لوحة روايتها الخاصة، لتعبث بشذى رسائل متنوعة أراد مبدعوها إيصالها على طريقتهم الخاصة. والى اللقاء في معارض أخرى، آملين في أن يصبح فن الرسم في لبنان قبلة ثقافية وسياحية ذات بعد سياحي ومستوى عالمي، تتغنى به دولتنا الكريمة فتجعل له ألف حساب وحساب. أما الأهم من كل ذلك، فيتمثل بأن تُخصص الدولة، لأصحاب تلك الأنامل الذهبية ، الكثير من الامتيازات والضمانات اللازمة، وتقدّم لهم الدعم  وفرص الاشتراك في المعارض  والمباريات العالمية على نفقتها الخاصة. فلبنان كان وسيبقى بلد الابداع والأدمغة الخلاّقة.

التغطية الاعلامية، إعداد النص  والتصوير من توقيع: زلفا عسّاف هاشم

تُحيط بك من كل حدب وصوب فتحاكيك بألوانها وخطوطها وأبعادها المليئة بالمعاني والرؤى، وما عليك سوى أن ترمقها، لتسحرك بشغف ألغازها، فتقع بلا شك في فخّ أسرها من النظرة الأولى. أشكال وألوان مُزجت بفنّ راقٍ، فرسمت “موزاييك” لوحات فنيّة متناثرة على طول الجدران في صالة الطابق الثالث من غاليري إدمون بطرس في الكرنتينا حيث كان الحدث. هناك التقى 33 فناناً من لبنان من نخبة الرسامين والنحاتين، وقد جمعهم رجل الأعمال إدمون بطرس تحت جناح الفن، في لفتة منه لإعطاء الإبداع حيّزاً فعالاً في وقت خفتت فيه أضواء الفن واشتاقت أعين الناس لترتوي من إشعاع الإبداع.
لوحات زيتية وأخرى تضجّ بالألوان الصاخبة ومنحوتات أرخت أجسادها على خشبة خلاص الفن الراقي. هناك حيث اختلط الفن الكلاسيكي بالحداثة وامتزجت أروقة المكان بنفحات تاريخية وأسطورية عذبة. هناك حيث تبتسم لك من الإطار، فتاة يافعة تعزف على البزق،  ويستوقفك إطار آخر لسيارة من الحرب العالمية الأولى عالقة ما بين شيبة الثلج وحفيف أوراق الأشجار في غابة مكسوّة بالبياض. والى الناحية الأخرى، لوحات تعبر لك بوجوه مختلفة عن لحظة غضب، صرخة وجع ونظرة شاحبة. فيما يستقبلك إطار آخر، بقهقهاته الضاحكة لورود شذيّة عبقت في مخيلة مُبدعها… حكايا متنوعة أراد إيصالها كل فنان على طريقته الخاصة، فمزج فيها من روحه وخياله بريشة إبداع وألوان وألوان.
في معرض ” ألوان 2″ سجد الفن أمام هيبة الريشة، فتقاطرت الى جانب هواة الفنّ، حشود اجتماعية وممثلون عن القيادات العسكريّة ووسائل الإعلام. وقد رعى الاحتفال وزير الإعلام السابق الأستاذ طارق متري الذي افتتح المعرض وجال على الأجنحة العارضة وأبدى إعجابه بالنخبة الصاعدة من الشباب اللبناني وقدراته، كما أثنى على الأعمال المخضرمة المليئة بالأبعاد الراقية.
كذلك حضرت السفيرة الأميركية في لبنان السيدة مورا كونيللي فجالت بدورها على أرجاء المعرض وأبدت رأيها في أهمية إقامة مثل هكذا معرض، لما له من ثقل فنيّ  وأبعاد ثقافية.  أما اللافت في المعرض، فكانت مشاركة مميزة للطفل المعجزة ” ميل- كريست هاشم” MEL- CHRIST HACHEM كأصغر رسّام في لبنان (5 سنوات) وقد اختارته اللجنة المنظمة والمشرفة على إقامة هذا المعرض، ليكون شاهداً جديداً على أهمية الفن ومدى شفافيته. وقد اختار هذا البرعم الصغير 17 لوحة من إبداعاته، وهو لا زال يدرس تقنيات الرسم للسنة الثانية على التوالي في معهد خاص، بتشجيع من قبل أهله الذين يحثونه على المضيّ قدماً في موهبته التي تلّمسوا شغفه بها منذ نعومة أظافره. لوحات رسمها هاشم بكل ثقة فترجم فيها رؤيته للوجوه بمختلف إيحاءاتها وتعابيرها، للورود بجماليتها، للمهرّج بطرقه المختلفة لانتزاع الضحك من أفواه الأطفال، للفتاة الجميلة التي لوّنها بأجمل الألوان ووضع لها الأكسسوار لتستعد للانطلاق الى سهرتها المنتظرة، الى الأشكال الهندسية التي مزجها في أطر الألوان المتداخلة المتناسقة بشكل يستريح إليها النظر، إضافة الى المنزل الذي يحلم بتشييده للمستقبل والشاحنة والشجر… ووراء كل لوحة حكاية رواها فاستفاض للإعلاميين عنها، وكأنه اعتاد فن الخطابة على المنابر. هذا كان غيض من فيض مما اكتنزه معرض
” ألوان 2″ وللباقي تتمة قريبة في معرض ” ألوان 3″ الذي بوشر الإعداد لإطلاقه في المستقبل القريب

زلفا عسّاف هاشم

Scroll to Top