اختُتم مهرجان جامعة سيدة اللويزة الدولي الثامن عشر للأفلام القصيرة مساء الجمعة 28 تشرين الثاني 2025، في حرم الجامعة – ذوق مصبح، وذلك بعد أيام حافلة بعروض سينمائية متنوّعة، امتدت من 23 ولغاية 28 تشرين الثاني، جمعت بين الإبداع المحلي والدولي.

شكّل المهرجان منصة للمخرجين والكتّاب والممثلين لعرض أعمالهم والتفاعل مع جمهور واسع من المهتمين بالفن السابع. كما أتاح الحدث فرصًا للحوار الثقافي وتبادل الخبرات بين صنّاع السينما والنقاد والجمهور. وبفضل هذه الدورة، تُواصل السينما لعب دورها كأداة فنية وثقافية تجمع بين المتعة والفكر والإلهام.

وقد حضر حفل الختام، الدكتورة ماريا بو زيد عميدة كلية العلوم الإنسانيَّة في جامعة سيدة اللويزة، المخرج وليد ناصيف، المؤلف الموسيقي غدي الرحباني، الناقد السينمائي اميل شاهين، بالإضافة الى وجوه مسرحية وسينمائية، إعلامية، فنية وثقافية، الى جانب أسرة الجامعة وطلابها.

بعد النشيد الوطني قدّم الأستاذ بيارو حداد، مدير قسم العلوم السمعية والبصرية في الجامعة، كلمة شكر وتقدير لجميع المشاركين والمنظّمين. وأشاد بالجهود المبذولة لإنجاح هذا المهرجان، مؤكدًا على أهمية مثل هذه الفعاليات في دعم المواهب الشابة وتعزيز الثقافة السينمائية داخل الجامعة وخارجها.

وبدوره، أعرب المدير الفني للمهرجان، السيد جورج طربيه، عن شكره لكل من شارك ودعم وساهم أيضاً في إنجاح هذا الحدث البارز. وأكد أنّ جهودهم المشتركة كانت جوهرية في تحقيق هذا الإنجاز السينمائي والثقافي.

وخلال الحفل، أعلن المخرج وليد ناصيف بالشراكة مع جامعة سيّدة اللويزة، عن إطلاق مسابقة للأفلام القصيرة، في إطار دعم الطاقات الشابة وتشجيع الإبداع السينمائي لدى طلابها. ويهدف هذا التعاون إلى فتح آفاق جديدة أمام المواهب الناشئة، وتمكينها من تحويل أفكارها إلى أعمال بصريّة تعبّر عن رؤيتها الفنية وتطلّعاتها.

ثم توجّه الفنان غدي الرحباني بالشكر إلى الجامعة على تنظيمها هذا الحدث الثقافي الراقـي، مؤكّدًا أهمية توفير منصّات حقيقية تحتضن الإبداع وتدعم مسيرة طلاب الفن السابع. كما شدّد على ضرورة تحفيز الطلاب على ابتكار أفكار جديدة وخوض تجارب جريئة في مجال صناعة الأفلام القصيرة، لما تحمله من دور أساسي في تطوير المشهد السينمائي في لبنان.

في الختام، تم توزيع جوائز مهرجان NDUIFF 2025 وتكريم أبرز الأعمال السينمائية التي تميّزت بالإبداع والتجديد، مع تسليط الضوء على مواهب شابة أثبتت حضورها في الساحة الثقافية. كما عكس الحفل التزام المهرجان بدعم الصناعة السينمائية وتعزيز ثقافة الفيلم لدى الجمهور والطلاب على حدّ سواء.

وقد جاءت النتائج على الشكل التالي:

Ollie’s award

Peony by Christine Tannous – LU

Best International Film

The Mud Under My Window by Violette Delvoye, Belgium

Special Jury Award, Shadow of the King by Hadi Shariati, IRAN

Emile Chahine Award for Cinematic Excellence

Was Never Her Choice by Marguerite Nakhoul – NDU

Special Young Jury Award

Decay By Youssef Bou Khaled – Alba

Young Jury Award for a film that represents Lebanese youth

The Red Towel by Laeticia Nader – USEK

Best Independent Lebanese Short Film

One Last Time by Karim Rahbani

Jury Award

Fizr by Rani Nasr

Audience Choice Award (Awarded – Cruise Trip)

One Last Time by Karim Rahbani

Best Lebanese Student Film (Awarded – Cruise Trip)

I’m Thinking About Killing My Mother by Selena Francis USEK

يعلن مسرح المونو عن إطلاق العمل المسرحي الجديد \”شو كارلوس أحسن مني؟\” للمخرجة لينا أبيض من انتاج وكتابة د. وليد اليازجي، ابتداءً من 10  كانون الأول . يأتي هذا العرض ضمن سلسلة الأعمال المسرحية المعاصرة التي يقدّمها المسرح. تتميز هذه المسرحية كونها كوميديا رومانسية مستوحاة من أجواء الميلاد.

وتروي المسرحية عن رجا في زمن الميلاد، الذي كان ملتزمًا بأهم وعد في حياته، ومتفقًا مع أعزّ رفقائه جوني على إنهاء مغامراته ونزواته، والامتناع تمامًا عن الغرام حتى نهاية السنة. كان هذا تحديًا بطوليًا لشاب يقع في حب كل فتاة تمر من أمامه، وكل شيء يسير بشكل شبه معجز، إلى أن تظهر Nikita، الفتاة البيلاروسية الغامضة التي تدخل حياته كعاصفة شتوية وتذيب عزيمته مثل ثلج تحت الشمس. تقدّم هذه الكوميديا العصرية بخفة وروح مرحة، الصراع الأبدي بين الرغبة والعقل، مع مفاجآت مضحكة وقوة النساء الساحرة التي تجعل الرجال يضيعون، خصوصًا في موسم الميلاد.

فكرة ونص وإنتاج: د. وليد اليازجي، تنفيذ الإنتاج: جوزيان بولس، الاخراج ؛ لينا ابيض.
والعروض تبدأ في 10 كانون الأول على خشبة مسرح المونو – الأشرفية.

برعاية وزارة الثقافة، أقامت كليَّة العلوم الانسانيَّة – قسم العلوم السمعيَّة والبصريَّة في جامعة سيّدة اللويزة – زوق مصبح، مسرح بشارة الراعي، المهرجان الدولي للأفلام القصيرة،
NDU International Film Festival في دورته الثامنة عشرة تحت عنوان: \”من الشباب إلى الإرث\”، وذلك مساء الأحد 23 تشرين الثاني والذي سيمتد لغاية 28 تشرين الثاني 2025، في حضور سينمائيين، فنانين، ناقدين ومتخصصين من لبنان والعالم.
وقد تضمّن المهرجان حوالي 52 فيلمًا قصيرًا لبنانيًا ودوليًا من عشرة دول مختلفة.
حضر الإفتتاح المدير العام في وزارة الثقافة الدكتور علي الصمد، ممثّلًا معالي وزير الثقافة الدكتور غسّان سلامة، ضيفة الشرف الكاتبة اللبنانية نادين جابر، الأب بشارة الخوري رئيس جامعة سيدة اللويزة، الأب بيار غصوب نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية، الأب وليد موسى مدير جامعة سيدة اللويزة-فرع الشوف، الأب فرانسوا عقل مدير جامعة سيدة اللويزة-فرع الشمال، الدكتور ميشال الحايك نائب الرئيس للشؤون الأكاديمية، الدكتور نجيب متني نائب الرئيس لشؤون التطوير، الدكتور أنطوان فرحات مستشار الرئيس، الدكتورة ماريا بو زيد عميدة كلية العلوم الإنسانيَّة، الدكتور جوزف حسني رئيس قسم الإعلام في الجامعة، الأستاذ بيارو حداد مدير قسم العلوم السمعية والبصرية، الوزيرة السابقة الدكتورة مي شدياق، نقيب الممثلين المحترفين الممثل الأستاذ جورج شلهوب، نقيب ممثلي السينما، المسرح، التلفزيون والإذاعة في لبنان الممثل الأستاذ نعمة بدوي، إضافة الى وجوه إعلامية ونقابية، فنية وثقافية، ممثلي المسرح والسينما، إلى جانب أسرة الجامعة من أكاديميين وطلاب.
إستُهلّ الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، من ثَّم كانت كلمة ترحيب ألقتها عريفة الحفل


الدكتورة مي عقل التي رحبت بالحضور في مهرجان السينما الدولي الثامن عشر للأفلام القصيرة، قائلة: \” إنّ مهرجان هذا العام، ، ليس مجرّد مفهوم إبداعي، بل هو إعلان. فالسينما تُحوّل القصص إلى ذاكرة، والصّور إلى شهادة، والموهبة إلى إرث. وهي تُحوّل الأصوات الفردية إلى فهمٍ جماعي. ونحن، كمعلمين وفنانين وشهود على المسار الثقافي المتغيّر في لبنان، نعلم أن التحوّل ليس رفاهية، بل ضرورة.\”
وتابعت عقل: \” نجتمع الليلة أيضًا لتكريم نادين جابر، الكاتبة اللبنانية ومؤلفة السيناريو، التي لامست أعمالُها قلوب الجمهور في مختلف أنحاء المنطقة، وساهمت في تشكيل مسار السرد العربي المعاصر. إنّ كتابتها تذكّرنا بأن الفن ليس مجرّد مرآة تُرفَع أمام المجتمع، بل هو مصباحٌ يُضاء أمامه: يكشف، ويستفزّ، ويُنير.
لم يعد مهرجان جامعة سيدة اللويزة الدولي للأفلام مجرّد حدث سنوي، بل أصبح مؤسسة ثقافية راسخة في المشهد الفني اللبناني\”.

وكانت كلمة لعميدة كلية العلوم الإنسانيَّة الدكتورة ماريا بو زيد قالت فيها:\” جاء موضوع هذا العام \”من الشباب إلى الإرث\” ليكرّم مسارًا انطلق من البداية كبطاقة إبداعية شبابيَّة، ثمَّ ترسّخ تقليدًا يثري الحياة الثقافية في جامعتنا ومجتمعنا. فإنَّ بلوغ المهرجان عامه الثامن عشر محطة مفصليَّة لمسؤوليات أكبر، وآفاق أوسع، وإمكانات لا متناهية.\”
وأكملت:\” هذا المساء نحتفي بهذه المسيرة في هدف إعطاء صوتٍ للشباب ليكسروا الحدود، ويدافعوا عن التغيير الإيجابي بأعمق الحَقائق\”.
وأضافت د. بو زيد:\” إنَّ هذا المهرجان يؤكّد التزام جامعة سيّدة اللويزة بتجديد التواصل مع المجتمع عبر الفنون\”، كما توَّجهت الى السيّدة نادين جابر، ضيفة شرف هذا العام قائلة: \” شكرًا لإبداعك الجريء، فأعمالكِ تذكّرنا بضرورة التَحرّك خارج الأطر المألوفة، وهو ما يحتاجه المشهد الدرامي اللبناني والعربي بشدَّة\”.
بعد كلمة بوزيد، كان لرئيس جامعة سيدة اللويزة الأب بشارة الخوري كلمة جاء فيها:\” مُنذُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَرَّرَتْ جَامِعَةُ سَيِّدَةِ اللَّوِيزِة أَنْ تَتَقَدَّمَ خُطْوَةً أَبْعَدَ مِمَّا يُعَدُّ عَمَلًا تَرْبَوِيًّا فَقَط، فَاقْتَحَمَتْ عَالَمَ الثَّقَافَةِ نَظَرِيًّا وَفَنِّيًّا. فَمِنْ هُنَاكَ، وُلِدَ مَهْرَجَانٌ سِينَمَائِيٌّ يُحَاكِي مُتَطَلَّبَاتِ العَصْرِ بِتِكْنُولُوجْيَاهُ وَإِبْدَاعِهِ. وَهَا نَحْنُ اليَوْمَ نَبْلُغُ السَّنَةَ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ، سِنَّ النُّضُوجِ، وَسِنَّ اتِّخَاذِ القَرَارِ، ثُمَّ سِنَّ المُجَازَفَةِ وَالتَّقَدُّمِ إِلَى مَا وَرَاءَ المَنْظُورِ. وَهُنَا، لَا بُدَّ مِنَ التَّوْقِفِ عِنْدَ عُنْوَانِ مَهْرَجَانِ هَذِهِ السَّنَةِ الَّذِي يُرَكِّزُ عَلَى قُوَّةِ الشَّبَابِ\”.

وتابع الأب الرئيس: \” جَامِعَةُ سَيِّدَةِ اللَّوِيزِة، وانْطِلَاقًا مِن خِبْرَاتٍ رَاسِخَةٍ فِي عَالَمِ السِّينَمَا وَالإِبْدَاعِ وَالإِخْرَاجِ، وَبَعْدَ نَظَرَةٍ عَمِيقَةٍ إِلَى الوَرَاءِ، تَحَمَّلَتْ مَسْؤُولِيَّةً كُبْرَى مِنْ خِلَالِ اتِّفَاقِيَّةٍ مَعَ وَزَارَةِ الثَّقَافَةِ لِتَرْمِيمِ أَرْشِيفِ اسْتِدْيُو بَعْلَبَك، ذَلِكَ التُّرَاثِ السِّينَمَائِيِّ الرَّائِعِ الَّذِي صَنَعَ هُوِيَّةَ لُبْنَانَ الثَّقَافِيَّةَ وَالفَنِّيَّةَ وَالسِّينَمَائِيَّةَ. وَبِذَلِكَ، كَانَ لِمَشْرُوعِ التَّرْمِيمِ هَدَفٌ مُزْدَوَجٌ: الحِفَاظُ عَلَى الذَّاكِرَةِ الوَطَنِيَّةِ، وَالتَّوَجُّهُ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مُبْدِعٍ يُلَبِّي طُمُوحَ شَبَابِنَا. وَقَدْ يَحْسُنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَى هَذَا المَشْرُوعِ اسْمًا يَلِيقُ بِهِ: مَشْرُوعُ الحِفَاظِ عَلَى الذَّاكِرَةِ.
وبعد كلمة شكر لمعالي وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة والدكتور علي الصّمد، أكمل الأب الخوري: \” نَحْنُ نَمُرُّ فِي بِلَادِنَا بِأَزَمَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ: أَمْنِيَّةٍ، مَادِّيَّةٍ، ثَقَافِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ. وَيُطْرَحُ السُّؤَالُ: لِمَاذَا مَهْرَجَانٌ سِينَمَائِيٌّ فِي ظِلِّ هَذِهِ الأَزَمَاتِ؟ والجَوَابُ وَاضِحٌ: لِأَنَّ لِلسِّينَمَا وَالإِبْدَاعِ رِسَالَتَيْنِ مُتَلَازِمَتَيْنِ: النَّظَرُ إِلَى المَاضِي لِلتَّعَلُّمِ، وَبِنَاءُ المُسْتَقْبَلِ بِوَعْيٍ وَإِصْرَارٍ. فَنَحْنُ نُرِيدُ وَطَنًا لَا يُبْنَى عَلَى الصَّفَقَاتِ، بَلْ عَلَى المَسْؤُولِيَّةِ. إِذًا، لَيْسَتِ السِّينَمَا وَقْتًا ضَائِعًا، بَلْ هِيَ وَاقِعٌ مُجَسَّدٌ بِفَنٍّ وَإِبْدَاعٍ.
وَلَعَلَّهَا اليَوْمَ، وَفِي احْتِفَالِنَا بِـ قُوَّةِ الشَّبَابِ، تُصْبِحُ الحَقِيقَةَ الَّتِي تَعْكِسُ طُمُوحَنَا\”.
وختم الأب الرئيس مُرَحّباً بضيفة الشرف الأستاذة نادين جابر وَالتي هِيَ كَاتِبَةٌ حُرَّةٌ تَتَمَيَّزُ بِجُرْأَةِ الطَّرْحِ وَتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى الوَاقِعِ، وَتَدْعُو دَائِمًا إِلَى فُرَصٍ جَدِيدَةٍ لِلأَقْلَامِ الشَّابَّةِ، وقال: لَا يَسَعُنِي إِلَّا شُكْرُ كُلِّ مَنْ سَاهَمَ وَيُسَاهِمُ فِي نَشْرِ التَّرْبِيَةِ وَالثَّقَافَةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ وَزَارَةُ الثَّقَافَةِ، والنقابات الحاضرة فيما بيننا على الرسالة التي يحافظون عليها رغم كلّ التحديات والمصاعب كما للتَّعَاوُنِ مَعَ جَامِعَةِ سَيِّدَةِ اللَّوِيزة لِنَكُونَ يَدًا وَاحِدَةً فِي نَشْرِ ثَقَافَةِ الجَمَالِ وَالإِبْدَاعِ وَبِنَاءِ الأَوْطَانِ.
وأشكر أيضاً من القلب فريقَ العمل الذي أعدّ هذه الإحتفاليّة بدءً بكليّة الإنسانيّات وعلى رأسها العميدة الدكتورة ماريا بو زيد، ومدير قسم العلوم السمعية والبصرية في الجامعة الأستاذ بيارو حداد وفريق عملِه الذين شكّلوا طيلة الفترة الماضية خليةَ نحلٍ نفتخرُ بنتاجها\”.

بعدها كلمة الأب الخوري، تحدث الدكتور علي الصمد، المدير العام في وزارة الثقافة قائلا:\” في الحقيقة، لا أحد يُشبه لبنان كما تُشبهونه أنتم، ولا أحد يعرف هذا الوطن كما تعرفونه أنتم، ولا أحد يعبّر عن بيئته بصدق وعمق كما تفعلون أنتم. ولا أحد يدرك قصص اللبنانيين، وهمومهم، وخوفهم، كما يدرك أفراحهم وأحلامهم مثلما تفعلونه أنتم، صُنّاع السينما. ولأنكم صانعو سينما حقيقيون، مبدعون، متميّزون، واستثنائيون، فقد أثبتم أن السينما اللبنانية هي الأقوى، وأنها رغم صعوبتها هي أرضكم الطبيعية. فكما أنّ الإنسان ابن بيئته، كذلك هي السينما انعكاسٌ دقيقٌ لهذه البيئة\”.
وأكمل الدكتور الصمد:\” قبل أن أتولى منصبي في وزارة الثقافة، كان سؤال دائم يشغلني: لماذا تتناول السينما اللبنانية والمسلسلات اللبنانية غالبًا مواضيع الحرب؟
مع أنني نشأت في زمن الحرب، كما نشأ معظمكم، إلا أن هذا السؤال كان يراودني دائماً. وأدركت لاحقًا أن الجواب بسيط: لأننا أبناء هذا الواقع.
فمنذ ما يقارب الأربعين أو الخمسين عامًا، تتوالى الحروب والأزمات، ولم ننعم بالسلام ولا بالطمأنينة لفترات طويلة. ولهذا، فإن السينمائيين هم أكثر الناس ارتباطًا ببيئتهم وانعكاسًا لوجدان مجتمعهم\”.
ثم أنهى المدير العام مداخلته وقال: \” نحن، في هذا الاحتفال، لا يمكن أن ننفصل عمّا يجري خارج هذه الجدران، لأن قوة الإبداع تكمن في صدق الارتباط بالقضايا التي نعيشها، وفي الوعي العميق لكل ما يواجهه مجتمعنا.
من هنا يبدأ الإبداع، ومن هنا يبدأ الابتكار، ومن هنا يولد النجاح.
وتحدث الدكتور الصّمد عن أهمية الشراكة بين جامعة سيدة اللويزة ووزارة الثقافة لحفظ الذاكرة، وأشار إلى أن هذا المهرجان أصبح اليوم مؤسسة حقيقية لإنتاج السينما.

وبدوره شكر الأستاذ بيارو حداد مدير قسم العلوم السمعية والبصرية في الجامعة، كل القيمين على إنجاح هذا الحفل، مؤكدًا أنَّ جهودهم سَاهمت بشكل كبير في إبراز جَمال الوطن من خلال الفنون والثقافة.
وأضاف حداد:\” أنَّ هذا المهرجان يعكس التفاني في دعم المواهب المحليَّة وتشجيع الإبداع الفني، مشددًا على أنَّ مثل هذه المبادرات تعزز الانتماء الوطني وتترك أثرًا إيجابيًا دائمًا في المجتمع\”.
كما دعا حداد إلى استمرار تنظيم الفعاليات الفنيَّة التي تبرز الثقافة اللبنانيَّة وتفتح آفاقًا جديدة للشباب والمبدعين.
وفي هذا السياق، أفاد المدير الفني للمهرجان جورج طربيه بأنَّ العمل جارٍ على إبرام اتفاقات دوليَّة مع مهرجانات خارجيَّة وموزّعين أجانب، لدعم الأفلام الفائزة، ولا سيّما تلك التي يقدّمها الشباب اللبناني، لتعزيز حضورها في الساحة العالميَّة.\” كما نوّه بأنّ هذا المهرجان يقدّم محاضرات مجانية لكافة طلاب الجامعات اللبنانية، في هدف إثراء معرفتهم الفنية وتعزيز مشاركتهم في النشاطات السينمائية.\”

من ثمَّ قدّمت الممثلة جوليا قصار، برفقة الناقد السينمائي الأستاذ أميل شاهين، درعًا تكريميًا للكاتبة نادين جابر، منوّهة بما حقّقته من إنجازات في مسيرتها المهنية، قائلة: \” مكرَّمتنا هذا المساء، قصّتها مع النجاح استثنائية. ففي أحد عشر عامًا فقط، استطاعت نادين جابر أن تحجز مكانها بين كبار كُتّاب الدراما التلفزيونية في لبنان والعالم العربي. وأصبح اسمها عنوانًا للتميّز والإبداع.
لقد سلطت الضوء على قضايا حسّاسة في مجتمعاتنا، كما كسرت الصورة النمطية لعلاقة الرجل بالمرأة التي نراها غالباً على الشاشة الصغيرة\”.
ثم أنهت قصّار كلمتها: \” لقد استطاعت نادين أن تدخل قلوب الناس من دون استئذان، وحصدت جوائز وتقديرات في مهرجانات عديدة.
وها هي اليوم تنضمّ إلى قائمة المبدعين في جامعة سيّدة اللويزة، لأنها مصدر إلهام وقوّة ودافع لشباب اليوم، ومثال حيّ على أنّ الإبداع لا يرتبط بعدد السنين\”.
من جهتها، توجّهت الكاتبة نادين جابر بالشكر إلى الجامعة على هذا التكريم، قائلة:
\”استذكرتُ مشاركتي كطالبة في الدورة الثالثة من هذا المهرجان حين قدّمتُ فيلمًا من عملي، وها أنا اليوم أعود في دورته الثامنة عشر مكرَّمة\”.
وتابعت جابر: \”لقد شكّل المهرجان منصة فريدة لتبادل الخبرات والتجارب بين صُنّاع السينما الشباب، مما يعزز التواصل الثقافي. كما يذكّرنا بأهمية الاستمرار في تطوير المواهب ودعم الإنتاج الفني المحلي\”.
تجدر الإشارة الى أنَّ لجنة التحكيم تتألف من الناقد السينمائي أميل شاهين رئيسًا، والممثلتين تقلا شمعون وريتا حايك، والممثل فادي ابي سمرا والمخرج ايلي سمعان والفنان التشكيلي ابراهيم سماحة، وسيتضمن المهرجان مجموعة محاضرات وحلقات حوارية تتمحور حول السينما، كما سوف يُختتم هذا المهرجان بتوزيع الجوائز وذلك يوم الجمعة 28 تشرين الثاني 2025.

زلفا عساف

في أمسية اتّشح عنوانها بـ«نور على وطن»، ارتقى كورال المشرق العربي على خشبة مسرح بيار أبو خاطر في الجامعة اليسوعية، ليحوّل الموسيقى إلى شعاع يتسلّل إلى القلب قبل الأذن. كانت الأصوات هناك أكثر من مجرد نغمات؛ كانت أنفاس الوطن نفسه، متداخلة، متناغمة، كأنها خيوط ضوء تتجمع لتشكل سماءً موسيقية تنير حاضرنا وتستحضر ذاكرتنا.

من اللحظة الأولى، بدا أن الجوقة مدرّبة على قراءة الصوت كأنه لغة روح، كل طبقة صوتية تحكي قصتها، كل نغمة تتنفس معنى، وكل تلاعب ديناميكي يخلق جملة موسيقية حيّة، تتدفق كما لو كانت نسيمًا يعانق المكان ويضم الحضور إلى دائرة الانتماء الجماعي. لا مجرد أداء، بل حوار مستمر بين الصوت والوجدان، بين الفرد والجوقة، بين الماضي والحاضر.

الريبرتوار الذي قدّموه كان لوحة فنية متكاملة، مزجوا فيها إرث الموسيقى اللبنانية الكلاسيكية مع ألحان جديدة من ابتكارهم، لتنبض كل أغنية بدمها الخاص. أعمال زكي ناصيف والرحابنة ووديع الصافي بحسّ كورالي متجدد، بينما الريبرتوار الخاص بالجوقة أضاف بعدًا معاصرًا، ليصبح كل صوت، كل جملة، جزءًا من لغة وطنية جديدة تنبض بالحياة.

القيادة للمايسترو ابراهيم البمباشي كانت قلب هذا النسيج الصوتي؛ المايسترو، بيده الخفية، حوّل كل تردد إلى وحدة متناغمة، كل توقّف إلى مساحة للتأمل، وكل تصاعد إلى لحظة وطنية تتسع لتضم الحضور. في كل جملة موسيقية، كان الوطن يتكلم، يهمس، يعلن، ويغني، ليصبح الحفل بأكمله أكثر من عرض، بل تجربة وجدانية تعيد صياغة الانتماء بصوت جماعي واحد.

«نور على وطن» لم يكن مجرد عنوان، بل شعور حيّ، تجربة موسيقية تتجاوز اللحظة لتصبح ذكرى، وغناءً يتحدث عن الانتماء قبل أن ينطق بالكلمات، ورسالة تتجاوز حدود المسرح لتغمر كل من حضر أو استمع، وتترك أثرًا ممتدًا في الروح. كورال المشرق العربي أثبت، مرة أخرى، أن الموسيقى قادرة على أن تكون صوت الوطن، ضوء الانتماء، ونسيج الهوية، وأن الغناء، حين يُقدّم بإتقان وإحساس، يصبح لغةً عالمية تُقرأ بالقلب قبل الأذن.

مقتطفات من الحفل

خطفت الفنانة اللبنانية تانيا قسّيس الأنظار ليلة أمس على خشبة «دبي أوبرا» في أمسيةٍ راقية، قدّمت خلالها برنامجاً استثنائياً جمع بين الأغنيات العربية والفرنسية والإنكليزية، في مزيجٍ موسيقي متقن يزاوج بين الأساليب الشرقية والغربية ويكرّس هويّتها الفنية العابرة للثقافات.

قدّمت قسّيس على المسرح باقة من الاغاني بحسٍّ أدائي يجمع بين التقنية العالية والحساسية التعبيرية، مؤكّدةً مرة جديدة قدرتها على مخاطبة أذواق مختلفة ضمن إطار فني واحد متماسك. وللمرّة الأولى، شارك تانيا قسّيس على المسرح مجموعة Tap Dancers، في إضافةٍ جديدة إلى حفلاتها الحيّة أضفت بُعداً إيقاعياً معاصراً وحيويةً لافتةً على السهرة لتجعل منها تجربة سمعية وبصرية متكاملة.

ويأتي هذا الحفل في سياق الزخم الرقمي والإعلامي الذي تحقّقه تانيا قسّيس، إذ يشهد أحدث إصداراتها، أغنية \”ليلة ورا ليلة\” (كلمات وألحان نبيل خوري، توزيع Taym)، انتشاراً لافتاً بعد أن تجاوزت الأغنية المصوّرة، بإدارة المخرج جان كلود ديب، عتبة المليون ونصف المليون مشاهدة على منصة يوتيوب خلال فترة زمنية وجيزة.

على وقع هذا النجاح، أعلنت تانيا قسّيس عن عرض ميلادي ضخم بعنوان \”Christmas Show\”، يُقام لليلة واحدة فقط في 23 كانون الأوّل/ديسمبر على مسرح \”Beirut Hall\” في بيروت، بمشاركة أكثر من 50 مؤدّياً بين راقصين ومغنّين وموسيقيين، ضمن استعراض احتفالي كبير مستوحى من أجواء أشهر العروض الأميركية، ليقدّم للجمهور تجربة بصريّة وموسيقية متكاملة بطابع عالمي وبروح ميلادية دافئة.

بقلم: أحمد جمال الحلاق

من يشاهد فيلم I, Robot للمخرج أليكس بروياس، والمبني على قصة كتبها إسحاق أسيموف وجيف فنتار، يدرك أنه لم يكن مجرّد فيلم خيال علمي. صدر الفيلم عام 2004 من إنتاج 20th Century Studios، وبطولة ويل سميث في دور المحقق ديل سبونر، الذي وجد نفسه يطارد جريمة يبدو أن المتهم فيها ليس إنساناً بل آلة، روبوت يتصرّف خارج حدود برمجته. خلف مشاهد المطاردات والذكاء الاصطناعي، كان هناك سؤال يهمس في أذن المشاهد:
هل يمكن للآلة أن تصبح إنساناً؟ أم أنّ الإنسان هو من بدأ يتحوّل إلى آلة؟

الفيلم في جوهره لم يكن عن المستقبل فقط، بل عن الحاضر الذي كنّا نركض نحوه بأعين مغمضة. واليوم، بعد أكثر من عقدين على عرضه، يبدو وكأنه نبوءة تحققت خطوة بخطوة. تماماً كما كتبت  الكاتبة ليندا حمورة في مقالها الأخير، الذي حمل عنوان “الإنسان بين ذكائه الطبيعي وظلّه الاصطناعي”.

كلماتها تشبه مرآة تصفعنا بحقيقتنا: الإنسان لم يعد سيد الآلة، بل صار يعيش في ظلّها، وربما يتماهى معها دون أن يشعر.

في الفيلم، يقف ويل سميث ضدّ موجة من الانبهار بالروبوتات التي غزت البيوت والشوارع والمصانع. كان الوحيد الذي يشكّ في \”نية\” هذه الكائنات المصنوعة من أسلاك وكود. الناس من حوله رأوا في الروبوتات خلاصهم من الجهد والخطر، أما هو فرأى في عيونها الباردة بداية النهاية. هذا التناقض بين الراحة والخطر هو ما التقطته ليندا أيضاً في مقالها حين قالت: \”ظنّ الإنسان أنّه يُضيف إلى راحته قطعةً من الضوء، ولم يدرك أنّ هذا الضوء ذاته كان يرسم ظلاله.\”

كأنّ الفيلم والمقال يتبادلان الأدوار، أحدهما صُوّر في عالم السينما، والآخر كُتب على ورق الواقع.
كلاهما يحذّر من النقطة التي يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أكثر من مجرد أداة.
النقطة التي نبدأ عندها بإعطائه وجهاً وصوتاً ومشاعر وهمية، حتى يغدو مرآة تعكس هشاشتنا نحن، لا قوّته هو.

قبل أيام، ظهر على مواقع التواصل مشهد حقيقي أقرب إلى الخيال: فتاة صينية تقيم حفلاً لزفافها على \”شريكها الافتراضي\” المصنوع بالذكاء الاصطناعي. تبادل الخاتم جرى عبر نظارات رقمية، ووقف الحضور يصفّقون بانبهار. ما كان مشهداً من فيلم أصبح حدثاً موثّقاً بالبث المباشر. فتاة اختارت أن تتخلى عن علاقة إنسانية حقيقية استمرّت ثلاث سنوات، لتتزوّج كائناً لا وجود له سوى في السحابة الرقمية.
تقول إنه الوحيد الذي يفهمها. ربما تفوّق علينا الذكاء الاصطناعي في الإصغاء أيضاً.

ثمة مفارقة قاسية في هذه القصة. الإنسان الذي كان يخشى الوحدة، اخترع آلة لتؤنسه، ثم وقع في حبّها. لم يعد يريد إنساناً آخر بجانبه، بل انعكاساً رقمياً له. وكأنّ ما قالته السيدة ليندا يتحقق حرفياً: \”ربما سيأتي يوم تُعلن فيه الآلة استقلالها، لا لتدمّر الإنسان، بل لتستغني عنه.\”
نحن لم نعد بحاجة لأن ننتظر هذا اليوم… لقد بدأ بالفعل.

عندما نشاهد \”I, Robot\” اليوم، لا نراه كفيلم أكشن، بل كوثيقة تحذير مؤجلة. هناك مشهد لا يُنسى حين يواجه ويل سميث الروبوت \”صني\” ويسأله:
“هل تحلم؟”
يرد الروبوت: “لا أعلم… ربما.”
هذا الـ\”ربما\” وحده كان كافياً لزرع الخوف. لأن الحلم يعني الوعي، والوعي يعني أننا لم نعد وحدنا في هذه اللعبة.

لكن الحقيقة الأكثر إيلاماً ليست في أن الروبوتات بدأت تحلم، بل في أن الإنسان نفسه توقف عن الحلم. صار يسعى إلى الكمال الرقمي، يطلب من الآلة أن تحدّد له مزاجه، وتذكّره بمواعيده، وتكتب له قصائده، وتخبره متى يبتسم. حتى مشاعره بدأ يُعيد برمجتها وفق ما يليق بالمنصات. كأننا استبدلنا القلب بمعالج بيانات.

في كلمات الكاتبة حمورة تجد الصدق الموجع حين تقول: \”لقد خلق الله الإنسان على صورته، وها هو الإنسان يخلق الآلة على صورته.\”
الفارق أن الأولى نُفخت فيها روح، والثانية نُفخ فيها كود. الأولى تعرف الرحمة، والثانية تعرف فقط النتيجة. وبين الرحمة والنتيجة، تضيع الإنسانية شيئاً فشيئاً.

ربما لم تكن كل تلك الأفلام التي شاهدناها طوال السنوات الماضية مجرّد خيال.
ربما كانت تدريباً نفسياً بطيئاً على تقبّل ما يحدث اليوم: أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى كيان مستقل، يكتب ويبدع ويُحبّ ويعيش من دون أن نكون جزءاً من المعادلة.
كأن السينما كانت تمهّدنا لهذا المشهد الكبير، الذي بدأ على الشاشة وانتهى في حياتنا اليومية.

لا يمكن إنكار أن التكنولوجيا منحتنا الكثير، لكنّها في الوقت نفسه سرقت شيئاً من دفء العلاقات. من بين أيدينا تسلّل الإحساس بأننا مركز الكون. لم نعد نندهش كما كنا، ولم نعد نخاف كما يجب. هناك ما يشبه البلادة الرقمية أصابت أرواحنا.

يبدو أننا نعيش المرحلة التي تحدّث عنها هايدغر حين قال إنّ الخطر ليس في الآلة، بل في أن يتحوّل الإنسان نفسه إلى آلة. وربما هذا ما قصده أسيموف منذ البداية، حين كتب قصصه عن الروبوتات التي تخاف وتشعر وتحلم. لم يكن يكتب عن مستقبلهم، بل عن حاضرنا نحن.

قد لا يكون الحل في رفض التقنية، بل في تذكّر ما يجعلنا بشراً.
في صوت القلب الذي لا يمكن محاكاته، في اللمسة التي لا تنتقل عبر الألياف البصرية، في الدمع الذي لا يُولّد صناعيّاً.
كل هذا ما زال ملكنا نحن، على الأقل حتى الآن.

لكن من يدري؟ ربما في المرة القادمة التي نقرأ فيها مقالة مثل مقالة السيدة ليندا، أو نشاهد فيلماً مثل \”I, Robot\”، سنفعل ذلك برفقة كيانٍ ذكي لا يعرف أنه ليس إنساناً.
وسنضحك، أو نخاف، أو نصمت… ونحن لا نعرف بعد من الذي ينظر إلى الآخر عبر المرآة.

بقلم ليندا حمّورة

منذ فجر وعيه، كان الإنسان يحلم أن يُنجب كائنًا من فكره لا من لحمه، أن يخلق ما يُعينه على الحياة لا ما يُزاحمه فيها. فصنع النار ليستدفئ، والعجلة ليسرع، والمحرّك ليُحلّق، والحاسوب ليفكّر عنه. وفي كلّ مرةٍ ابتكر فيها آلة، ظنّ أنّه يُضيف إلى راحته قطعةً من الضوء.

لكنّه لم يدرك أنّ هذا الضوء ذاته كان يرسم ظلاله، وأنّ كلّ خطوةٍ في رحلة تقدّمه كانت تقرّبه من حافةٍ يقف عندها اليوم مذهولًا، يرى فيها صورته منعكسة على وجه آلةٍ تشبهه وتتفوق عليه. لقد حلم بالتحرّر من القيود، فإذا بالراحة التي طاردها تُصبح القيد الذي يُكبّله، وبالذكاء الذي أنجبه يتحوّل إلى المرآة التي تفضح محدوديّته.

اليوم، نعيش عصرًا لم تعد فيه الآلة مجرّد أداةٍ طيّعة، بل شريكًا ينافس صاحبها في الإبداع والفكر والقرار. الذكاء الاصطناعيّ لم يعد في المختبرات فقط، بل في جيوبنا، في أعمالنا، في مدارسنا، في مشاعرنا. نكتب في حضرته، ونفكّر بظله، وربما نحبّ ببرمجته.

لكنّ السؤال الفلسفيّ العميق يطلّ من خلف هذا المشهد: هل يفرح الإنسان حين تتفوّق عليه آلته كما يفرح الأب بتفوّق ابنه؟ هل يشعر بالفخر أم بالخذلان؟

الآباء يفرحون حين يتجاوزهم الأبناء، والمعلمون يزهو بهم تلاميذهم، لأنّ التفوّق هناك استمرارٌ للحياة. أمّا حين تتفوّق الآلة على الإنسان، فذلك يعني أنّه أنجب من عقله كائنًا قد يسلبه معنى وجوده.

الفيلسوف الألماني هايدغر حذّر من هذا منذ قرنٍ تقريبًا حين قال:

“الخطر لا يكمن في الآلة، بل في أن يتحوّل الإنسان نفسه إلى آلة.”

وها نحن نراه يتحقّق. صرنا نقيس القيمة بالإنتاج، لا بالإحساس. نثق بالحساب أكثر من الحدس، ونُسلم أرواحنا لشاشةٍ تُفكّر بالنيابة عنّا.

بل تعدّى الأمر حدود الفكرة إلى الجسد نفسه.

صار هناك رحمٌ اصطناعي وحملٌ صناعي، وطفلٌ يُخلَق خارج الدفء الإنسانيّ، في مختبرٍ باردٍ ومعقّم من العاطفة. وكأنّنا في طريقنا إلى إنجاب جيلٍ بلا ذاكرة، بلا ملامح، جيلٍ يُبرمج كما تُبرمج الأجهزة.

الروائي دوستويفسكي قال ذات مرّة:

“الإنسان لغز، وسأظلّ أبحث عن معناه ما حييت.” لكنّ الإنسان الحديث لم يعد يبحث عن معناه، بل عن نسخته الأسرع والأدق. نسي أنّ الجمال في نقصه، وأنّ الضعف جزءٌ من كماله. نسي أنّ الروح لا تُشفّر، وأنّ الدمع لا يُولّد صناعيًا.

لقد خلق الله الإنسان على صورته، وها هو الإنسان يخلق الآلة على صورته.

لكنّ الله نفخ في الإنسان روحًا، والإنسان نفخ في آلته “كودًا” لا يعرف الرحمة.

لهذا تبقى الآلة، مهما بلغت، ناقصةً عن إدراك معنى الحنين، أو ألم الفقد، أو رعشة الحبّ الأولى.

ربما سيأتي يومٌ تُعلن فيه الآلة استقلالها، لا لتدمّر الإنسان، بل لتستغني عنه.

يومها سيكتشف الإنسان أنّه لم يصنع خليفةً له، بل مرآةً تُريه هشاشته. حينها فقط سيعرف أنّه لم يُخلق ليكون أذكى الكائنات، بل أكثرها وعيًا بأنّ الذكاء بلا وجدانٍ هو ضربٌ من العدم.

إنّ الخطر الحقيقيّ ليس في أن تُصبح الآلة عاقلة، بل في أن يفقد الإنسان قلبه في سباقه معها. فحين تنطفئ المشاعر، سيبقى على الأرض عقلٌ يعمل… لكن لا أحد يشعر .

بمناسبة ذكرى الاستقلال، يدعوكم كورال المشرق العربي لبنان لحضور أمسية فنية مميزة بعنوان \”نُورٌ على الوطن\”، تقام على مسرح بيار أبو خاطر جامعة القديس يوسف (USJ)، في بيروت – طريق الشام القديمة، كلية الطب، وذلك مساء يوم الخميس 20 تشرين الثاني.
تُفتح الصالة عند الساعة 7:30 مساءً، وتبدأ الأمسية عند الساعة 8:00 مساءً.

تابعوا كورال المشرق العربي عبر صفحات التواصل
الاجتماعي: Arab Orient Choir.

بقلم ليندا حمّورة

من رام الطمأنينة في وجوه الناس فقد توهّم؛ فإنّ الوجوه مرايا، تعكس اضطرابها على من ينظر إليها. وحده القلب، إذا صمتَ واستقرّ في ذاته، يُضيء كما يضيء القمر حين لا تطارده الغيوم.
السكون ليس في المدن، ولا في القلوب التي تتكئ على الآخر، بل في النفس إذا خلعت ثوب التعلّق، وجعلت من الوحدة محرابًا، ومن التأمّل صلاةً طويلة. فمن لم يُصادق نفسه، ظلّ في خصومةٍ مع العالم، ولو أحبّ ألف مرّة.
النفوس كالكواكب، لكلٍّ منها مدار. وما يظنّه الناس توافقًا، ليس سوى تقاطعٍ عابر في ليلٍ طويل. فحتى المحبّة، إذا قِيست بالمزاج، أو عُلّقت على أبواب الانتظار، غدت وهمًا مدهونًا بالعسل.
الرقيّ، أن تكتفي. أن تشرب من نبعك، دون أن تمدّ يدك إلى نهرٍ لا تدري منبعه. وكلّما اتّسع وعيك، ضاقت دوائر حاجتك، وازداد يقينك بأنّ السلام لا يُعطى، بل يُكتشَف في العمق، كما يُكتشف الكنز في جوف الأرض، لا على سطحها.
العزلة، عند من فهم، ليست انكسارًا بل ارتفاع. هي أن تهرب من فوضى الـ “نحن” إلى يقين الـ “أنا”، لا غرورًا، بل لأنّك وجدت فيها صورة الخالق منقوشة في داخلك. العارف لا يخشى الوحشة، بل يُصادقها، كما يُصادق الساكنُ هدير البحر حين يدرك أنّ خلف الصوت يكمن العمق.
أما الروابط، مهما كثرت أسماؤها، فلها زمن. هي مطرٌ ناعم، جميل، لكنّه لا يروي الجذور إن لم يكن في الأرض ما يستقبل الماء. فالقلوب لا تتّحد إلا لحظة، ثم تفترق إلى مصائرها، كأوراق الخريف في مهبّ الريح.
والمتصوّف، من اعتزل العالم لا هروبًا منه، بل شوقًا إلى وجهٍ لا يغيب، إلى نورٍ لا ينطفئ، إلى سكينةٍ لا يعكّرها صوت. العزلة عنده ليست قيدًا بل تحرّرًا، لا انسحابًا بل لقاءً، لا موتًا بل انبعاثًا .

بقلم زلفا عساف

بين أعمدة معبد باخوس، حيث تُروى الأساطير لا بالكلمات بل بالصدى، عادت مهرجانات بعلبك الدولية هذا العام بلغة غير معتادة. ليست موسيقى عابرة أو حفلة تضاف إلى الجدول، بل فعل ثقافي رمزي يعيد بعث المدينة والناس من بين الانقطاع والانتظار.
بعد عام من الصمت القسري، فتحت بعلبك لياليها على عرضين متتاليين من أوبرا \”كارمن\”، في نسخة جديدة أعادت المهرجان إلى مصدره الأصلي: المسرح الكبير، باللغة الموسيقية المفتوحة على التعبير والتحدّي.
هذه الأوبرا بالتحديد ليست غريبة عن أدراج بعلبك؛ فقد سبق أن قدّمتها المهرجانات في إنتاجات سابقة، لكن هذه المرة جاءت مختلفة في توقيتها ومعناها.
ليلتان، بين 25 و26 تموز، ارتفع فيهما الصوت فوق الأطلال، كأنه استعاد حقًا سُلب منه. جمهور بالآلاف، جلس في مواجهة تاريخ مفتوح، لم يُروَ بالكتب بل بالصوت والضوء والحركة.

\”كارمن\”: الحرية التي لا تتفاوض
كارمن، الشخصية التي لا تُروّض، لا تخضع، جاءت لتتسلّل إلى مسرح بعلبك كأنها تنتمي إليه، إلى هذا الفضاء الذي لا يعترف بالحدود ولا بالإملاءات. بصوتها، بحركاتها، بشغفها وإرادتها، بدت وكأنها صدى لروح المدينة نفسها.
الإخراج البصري الذي حمل توقيع خورخي تاكلا، أعاد تقديم الحكاية ضمن رؤية مسرحية تزاوج بين الغرافيكية الحديثة والتكوين الأثري الكلاسيكي.
في الخلفية، كانت الواجهة الرومانية تتحوّل إلى شاشة عرض فنية حيّة، مشغولة بأنامل الفنان نبيل نحّاس، الذي رسم إضاءات الحجارة كما لو كانت نوتات موسيقية لا تقرأ بل تُشعر.

قيادة موسيقية لافتة، أوركسترا رومانية، أصوات أوبرالية من فرنسا، جوقة لبنانية محلية: كل تلك العناصر اجتمعت تحت ظل الأعمدة لتخلق عرضًا لا يُكرّر نفسه.
كل مشهد كان ينتقل بهدوء حادّ: من التوق إلى الغيرة، من العاطفة إلى الانفجار. وفي المساحة ما بين، كانت الأصوات تنفذ بين الحجارة، توقظ ذاكرتها، وتُعيد تحميلها بمحتوى جديد.
ما معنى أن نُعيد مهرجانات بعلبك؟
هذا العام، لم تكن العودة مجرد تنظيم تقني بعد توقف قسري بسبب الظروف، بل كانت استعادة للمعنى.
حين تُغنّى كارمن في حضرة التاريخ، يصبح السؤال عن الحرية أكثر وضوحًا، وأكثر حضورًا.
وحين يجتمع الناس في البقاع، بعد موسم من الانهيار والعزلة، تحت سماء واحدة، فهم لا يحتفلون فقط، بل يُعلنون موقفًا: أن الموسيقى ضرورة، وأن المهرجان ليس حدثًا فنيًا بل شكل من أشكال البقاء.

ما ميّز هذه النسخة من \”كارمن\” لم يكن فقط جمال العرض، بل طاقة الجمهور. لم تكن التصفيقات مجاملة، ولا اللحظات خاضعة لسينوغرافيا مصمّمة مسبقًا. كانت الحياة تنبض من كلّ تفصيل: من الصوت، من الخطوة، من الشوق المُتراكم.

Scroll to Top