بقلم أحمد جمال الحلاّق

في لحظة غير متوقعة، انهارت السماء فوق رأسه. كانت الرحلة روتينية، والحياة تسير وفق جدولها المعتاد، حتى قرر القدر أن يعيد تشكيل كل شيء. سقطت الطائرة، وتحطّمت معالم الواقع، واستفاق “تشاك نولاند” وحيداً على شاطئ جزيرة نائية، لا أثر لبشر، لا صوت سوى هدير البحر ونبض الوحدة.

بدأت الأيام تمضي ثقيلة، تتكرر بصمت قاتل، حتى كادت ملامحه تذوب في العزلة. كان البحر واسعاً، والسماء أبعد من أن تُمسك، والذاكرة وحدها ما تبقّى له من العالم القديم.
فابتكر ما يُبقيه إنساناً: كرة مهملة رسم عليها وجهاً وسماها “ويلسون”، صنع منها صوتاً يردّ عليه بصمت، أنيساً في الليل، ظلاً في النهار، دليلاً على أنه ما زال حياً من الداخل.

لكن الأمل لم يغب.

رسم في ذهنه صورة لضفة أخرى، ضفة يعيش فيها من يعرفه ويتذكّره، من يفتقده أو يبحث عنه. ربما لم يكن يعرف من تحديداً، لكنه آمن أن هناك معنى للعودة.
فبدأ بناء قاربٌ من الحطب والمسامير المرتعشة، وشراع من الإصرار، ووجهة لا يعرف ملامحها سوى قلبه.

وعبر المحيط.

وحين وصل، أدرك الحقيقة: الحياة لم تتوقف عند غيابه. العالم استمر، الناس تغيروا، وتكيّفوا، وأعادوا ترتيب أيامهم. لم يكن هناك احتفاء بعودته، ولا انتظار.
لكن المفاجأة لم تكن صدمة… بل كانت يقظة.

فالضفة الأخرى لم تكن كما رسمها في خياله.

لم تكن هناك من تنتظره.

الزوجة التي أحبته بكت كثيراً ثم جفّت دموعها، ثم أحبّت من جديد، وتزوجت، ومضت الحياة. أصدقاؤه أقاموا له العزاء، وحزموا الذكريات في صناديق النسيان. لم يكن هناك من يبحث عنه. لقد أكمل العالم دورته من دونه.

حينها، فهم تشاك الحقيقة الكبرى:
فهم أن معركته لم تكن للعودة إلى الآخرين، بل كانت للبقاء حياً في وجه العدم. كانت حرباً كي لا يذوب في النسيان، لا نسيانهم له… بل نسيانه لنفسه.

ففي عمق كل عزلة، ينبض قلب يبحث عن ضوء.
قد لا ينتظرك أحد على الضفة الأخرى، لكن يكفي أن تجد نفسك هناك.
لذا, اكتب قصتك بيدك، ولا تجعل نجاتك مرهونة بأحد. فالحياة الحقيقية تبدأ عندما تقرر أن تكون كاتبها، لا مجرد راوي ذكرى.

بقلم ليندا حمّورة

ما بين الأمس واليوم، مرّ زمنٌ لا يُقاس بالثواني والدقائق، بل يُقاس بما اندثر من ملامحنا، وما اغتيل من دفء عيشنا، وما اختنق من عبق الذكريات تحت ركام الإسمنت الإلكتروني. لقد انطلق قطار العصر كنيزكٍ لا يُرى إلا لمامًا، فطمس على عجلٍ بصمات حكاياتٍ كانت تسكن جدران البيوت، وتحيا في عيون الجدّات، وتُروى عند مواقد السمر.

في الأمس، كان الزمن يسير على مهل، كأنه يتوكأ على عصا من خشب الزيزفون، يتوقف بين الفينة والأخرى ليشمّ وردة في حديقة، أو ينصت لطفلٍ يخطو خطوته الأولى على بلاط البيت الطيني. كنّا نرتدي أثوابًا من قماش القلوب، نذهب بها إلى استوديو التصوير كأننا نحجّ إلى مقام الذكرى، نلتقط صورةً واحدة، لكنها تحمل في إطارها أرواحنا، نبضاتنا، وتاريخنا الشخصيّ الصغير. واليوم، أضحينا نحمل آلاف الصور في جيب بنطالنا، لكنها صور بلا ظلّ، بلا رائحة، بلا حكاية.

لم نرفض التطوّر يومًا، ولسنا أعداءً للحداثة، ولكننا نرفض أن يُؤكل الجَمال الواقعي بلقمةٍ سائغة على مائدة الجمال المصنّع، نرفض أن تُسحق العادات تحت عجلات السرعة، وأن تُكنَس التقاليد كما تُكنس أوراق الخريف اليابسة. إنّ ما نحياه اليوم ليس تقدمًا فحسب، بل هو ـ في كثيرٍ من وجوهه ـ جلاءٌ ثاني للروح، ونفيٌ للمحسوس، واستبدالٌ للدفء بالبريق.
أين ذهب دفء الرسائل الورقية التي كانت تهاجر عبر صناديق البريد كما الطيور المهاجرة، تحمل الشوق في أجنحتها؟ أين تلك المجالس التي كانت تُضاء بكلمة رجل حكيم، لا بشاشة هاتف؟ لقد تغيّر وجه العالم، وصارت الذاكرة خزانة رقمية، لا يعلو فيها صوت الحنين، بل تنطفئ فيها المشاعر بنفاد البطارية.
قال المتنبي:

“لكلِّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا
وعادةُ سيفِ الدولةِ الطعنُ في العدا”
وكأن الزمن اليوم قد غيّر عاداته، فصار يطعننا نحن، لا أعداءنا. سيفه لم يعد سيفًا، بل شاشة زرقاء تُسطّر عليها أخبار الأمس بأيدٍ لا تعرف وقعَ الحنين ولا طعمَ الزمن الجميل.
نحن أبناء زمنٍ كانت الأشياء فيه أبطأ، نعم، لكنها أصدق. كانت الحياة تشبه نهرًا رقراقًا يروي أطراف القلب، أما اليوم فهي عاصفة بيانات تقتلع الجذور وتذرّ الذكرى قاعًا صفصفًا.
أيها العصر المتسارع، تمهّل قليلاً، فلعل في بطئك خلاصًا، ولعل في الالتفات إلى الوراء حياةً للروح، ووصلاً لما انقطع منّا

زلفا عسّاف

في قلب بيروت التي تتنفس على إيقاع الانتظار، ينبعث طيف الشرق من مسرح كركلا ، كأن شهرزاد قد عادت لتروي، لا لتُنقذ نفسها هذه المرة، بل لتُنعش ذاكرة وطنٍ أتعبه النسيان.

السينوغرافيا التي صممها جوليانو سبينيلي لم تبنِ مسرحًا، بل أعادت تشكيل الذاكرة البصرية الشرقية. ستائر كالحرير تُفتح على عوالم أسواق بغداد، وقصور شيراز، وأنين الغجر في الحارات. وتلاحق الإضاءة التي نفّذها جياكوبو بانتاني تنفّس الحكاية، وتُلقي ظلالًا على أرواحٍ تتحدث بالأجساد لا بالكلام.

أليسار كركلا لا تبتكر مجرد حركات؛ بل تُسائلُ الجسد عن سرّ الحكاية، فتُخرجه من دائرة الأداء إلى مقام الشهادة. الرقصة هنا ليست زينة مشهد، بل شهادة على عصرٍ كامل. هذا كله يجري تحت إخراج إيفان كركلا ورؤية المعلّم عبد الحليم كركلا صاحب السيناريو وتصميم الملابس والمشرف الفني، يقود اللمسة الفنية للعمل.


على وقع موسيقى نيكولاي ريمسكي كورساكوف (“شهرزاد”) وموريس رافيل (“بوليرو”)، والتي أعاد رضا عليغولي توزيعها بلغة الشرق، تنبعث الحكاية. القانون يهمس في أذن الباليه، والناي يُعاتب التشيلّو، فتتزاوج آلات الشرق والغرب لتلد نغمةً جديدة.

ليس حضور هدى حداد وجوزيف عازار استعراضًا، بل طقسًا. حين يغنيا تصمت القصص لتُصغي، وتخشع الدهشة في حماسة الجمهور. يُرافقهما في البطولة كلّ من غابرييل يمّين(الراوي) ، وسيمون عبيد.

بينما  ليا أبو شعيا، جورج خوند، فرانسوا رحمة، أديب أبو حيدر وبول العسل فينسجون حضورهم ضمن نسيج فني نابض.


نعم، القصة معروفة. ولكن كركلا لم يأتِ ليسرد ما نعرف. بل جاء ليُعيد تشكيل إحساسنا بما نظن أنّنا نعرفه. شهريار ليس ملكًا. هو الوطن. وشهرزاد ليست راوياً. هي الذاكرة.

العرض، الذي يمتد على مدار 84 دقيقة، ويختتم بالعودة الى التراث اللبناني والاحتفال بلبنان بلوحات تحاكي الاصالة ومع إطلالة خاصة لعميد الفلكلور عمر كركلا، لا يُغادر المتفرج عند خروجه من المسرح، بل يبقى فيه. في جسده، في قلبه، في طريقته في الإصغاء. كركلا لا يقدّم حكاية فقط بل يُعلّم كيف نرويها.

بقلم ليندا حمّورة
العمل في الحياة ليس مجرد طريقٍ إلى المال، بل هو نبضُ الكرامة في جسد الإنسان. هو المعنى الذي يجعل للوقت قيمة، وللعمر رسالة. ما خُلِق الإنسان ليقف على عتبة الانتظار، بل ليخطو، ليزرع، ليحرث الأرض برجليه إن لم يجد طريقًا ممهدًا.

كُثُرٌ هم العمال، لكن القليل منهم من يُخلِص كأن قلبه هو من يوقّع بدل يده. أولئك الذين يضعون الروح لا الأجر على رأس جدول أعمالهم.
اليوم، أُقبّل كفّ عامل النفايات الذي يكنس شوارعنا من قذارةٍ لم يصنعها، يطارد أوساخنا كما يطارد الضوءُ ظلّه، ولا يشتكي.
أرفع قبعتي لعنصر الدفاع المدني، ذاك الذي يرمي بنفسه في قلب النار لينتزع منها جسدًا غريبًا لا يعرف اسمه، وكأن روحه مرهونة لسلامة الجميع.
أحيّي الجندي الذي يحرس الحلم ببندقيته، واقفًا كالسنديانة في وجه الريح، وقلقه لا يُترجم بالكلمات بل بالعرق المتصبّب تحت الخوذة.
ولكل مزارعٍ يعلّم التراب معنى الخصوبة، ولكل معلّمٍ يزرع الحروف في عقولٍ عطشى، ولكل نجّارٍ يُشكّل الخشب كما يُشكّل القلب حكاياته، ولكل خبازٍ يعجن الدقيق كما يعجن الفجر نورَه…
وللطبيب، حارس الحياة بصمت، أقول: كل عام وأنت الأمل يمشي على قدمين، تداوي بيدٍ وتُطمئن بالأخرى، وتقاتل الوجع بمعطفك الأبيض لا بدرعٍ ولا سيف. أنت العطاء الذي لا ينتظر شكرًا، والنور الذي لا ينطفئ.
فهؤلاء هم البناؤون الحقيقيون، الذين لا يُخلِّدهم الإعلام، بل تُخلِّدهم الحياة.
فالعامل الصادق لا يحمل وظيفة، بل يحمل رسالة.
هو شاعرٌ يكتب على الورق الخشن للحياة، لا بالحبر، بل بالعرق.
هو شمعة لا تنتظر تصفيقًا، بل تُضيء الطريق وتمضي.
وما أصدق ما قاله جبران خليل جبران: “العمل هو الحبّ مرئيًّا.”
فإن لم نُحبّ ما نعمل، ولم نُخلِص فيه، فكيف ندّعي أننا نحيا.

بقلم ليندا حمّورة

العمر ليس إلا ومضاتٍ من نورٍ تطويها الأيام بصمتٍ عميق، نكتب فيها سطورنا، بعضها يُخلَّد في ذاكرة الزمن، وبعضها الآخر يُطوى معنا في التراب، كأن لم نكن.

العمر  ذاك الرقم الذي يتسلسل عاماً بعد عام  لا يزيدنا إلا اقترابًا من الأبدية.
ننظر إلى مرايا أرواحنا، فنرى انعكاس التعب ينمو، والسأم يتراكم كغبارٍ فوق مرآة العمر.
في العشرين، نغني للفرح ولا نلتفت إلى ظلال الموت التي تتوارى خلف أكتافنا، نعيش اللحظة كأن الخلود حليفنا.
أما حين تطأ أقدامنا مشارف الخمسين، فإن سكين الزمن يغرس أنيابه في خاصرة الأحلام، وتبدأ مسيرة الفقد، تتساقط الأرواح من حولنا كما يتناثر عقد اللؤلؤ حين ينفرط خيطه.

نزور الأحياء بأرجلٍ بطيئة، فيما أرواحنا تتسابق إلى المقابر، كأننا نطلب الطمأنينة بين من سبقونا.
تتردد في قلوبنا همسات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين.”
فنحسب السنين المتبقية وكأننا نعد أنفاسنا الأخيرة.

نعيش بين الخوف من الرحيل، والحزن على من غادروا، ونسأل أنفسنا في صمتٍ موجع: من سيزرع وردةً على قبري؟ من سيقرأ لي الفاتحة في ظلمة الوحدة؟

لكن، أية أكذوبة شيطانية تقنعنا أن الخمسين مقصلة للأمل؟
من أوهمنا أن النور يخفت حين تغرب شمس العمر قليلاً؟
الحياة ليست أرقامًا نحسبها، بل أنفاسًا نملؤها بالشغف والحب.
الخمسون ليست قيدًا، بل جناحًا جديدًا لمن عرف كيف يحلّق فوق الألم.

يقول نيتشه:

“لا تمشِ على الأرض إلا وأنت تعتقد أن لك جناحين.”
وها نحن في الخمسين، نحمل أجنحة الحكمة، نلمس عمق الحياة كما يلمس النحات قلب الصخر ليصنع منه تمثالاً خالدًا.

إن الذي وهب النهر قدرته على الجريان حتى آخر نقطة، وهبنا القدرة على الحياة حتى آخر نبضة.
الخمسون ليست موتًا مؤجلًا، بل ميلادًا آخر؛ ميلادًا تشتد فيه الجذور، وتعلو فيه الأغصان نحو سماء أوضح.

فلنغلق نوافذ التشاؤم، ونفتح صدورنا لرياح الفرح.
فلنحيا كل يوم كأننا نولد من رحم النور من جديد، نبتسم رغم أنين الجراح، ونغني للحياة حتى وإن اختلط صوتنا بدموعنا.
الحياة منحة لمن يعرف كيف يحتضنها، لا لمن يخشاها.

فليكن العمر مهما طال أو قصر، قصيدةً نكتبها بمداد الأمل، وزهرةً نرويها بعرق الكفاح.
في الخمسين، نحن لا نكبر، نحن نزهر من جديد

بقلم ليندا حمّورة

صعبٌ جدًّا أن تكون العائلة كخيط من نور، متماسك الأطراف، ملتفًّا حول دفء واحد، ثمّ يأتي الزمان، بفأس من جليد، يضرب ذلك الخيط، فينفرط، وتتناثر أنجمُه في جهات الأرض. فجأة، يغدو كلُّ فردٍ في قارة، وتفصلنا المحيطات كما تفصل القبورُ بين الأحياء والموتى. لا نعود نلتقي إلا كما تلتقي الغيمات الهائمة في صُدَف الرياح، مرّة في العام أو أقل، ونكمل العمر غرباء إلّا عن الذكرى.
الغربة… يا وجعًا يُنبت في القلب صقيعًا لا يُذيبُه الحنين. الغربةُ تربةٌ سوداء، لا تُثمر إلّا الحنين، وتدفن في أعماقها دفءَ اللُّحمة، وعطرَ الأُلفة، وتذيب خيوط الترابط كما يذوب الشمع في مواقد الرحيل. نصبح كزهرة زنبقٍ مقطوعة، ملقاة على قارعة الطريق، لا أرضًا نُظلُّها، ولا ماءً يروينا، نذبل ونحن نبتسم للذاكرة.
ما أسعد من لا تزال عائلته تفيضُ حوله كجدولٍ دافئ! ذاك إنسانٌ اختارته الحياة ليعيش الفرح الحقيقي، والطمأنينة في وطنٍ مصغّر اسمه “البيت”. أمّا الوطنُ الذي يترك أبناءه يتسربون من بين أصابعه كما يتسرب الرمل من كفٍ مُرتجفة، فهو وطنٌ خاسر. ولا يستعيد ربحه إلا إذا جاهد ليستعيدهم، وضمّهم إلى صدره كأمٍّ تقاتل لتستردّ أبناءها من يد الغياب.
ولكن… هل يأتي ذاك اليوم؟
هل سيحتضننا الوطن يومًا كما نحتضن حلماً لا نريد له أن ينكسر؟
هل سيحمي أبناءنا من لهيب الغربة ويفتح لهم ذراعين من أمل؟
لست أدري… ولكنّي أرجو.
والرجاء، وإن طال، لا يزال نافذةً صغيرة تطلّ منها الشمس على قلوبٍ بردها النفي والشتات.

بقلم ليندا حمّورة

شردت أفكاري مني، كجيشٍ انهزم في خضمّ معركة، ثم عاد يتقاتل في رأسي على جبهتين: الخير والشر.
رأيتُ شخصياتٍ تطفو في ذهني، لا وجوه لها، مجبولة بالدم والبارود، تقتل بلا رحمة، كأن الرحمة لم تُخلق قطّ في صدورهم.رفعتُ بصري إلى السماء، وناديتُ ربّي بلهفة المُستجير: يا من وسعتَ رحمتُك كلّ شيء، أأرضُك ضاقت بالرحمة حتى باتت مغمورة بالدماء؟
صرنا نغرق في بحارٍ من دم، لا تغسلها مياهُ المحيط، ولا تُبخّرها شمسُ الظهيرة، بل تتغذى عليها الأرض، وتزدهر في شقوقها بذور الحقد والموت.
لم يكتفِ الإنسان بشرّ القتل، بل استعان بالحرق، كأن النار صارت لغةً جديدة للفهم، أو عقيدةً يستدلّ بها إلى “الحق”.
كأننا خُلقنا لنجرب الجحيم قبل أن نُحاسب عليه، وكأن الدنيا صارت مرآةً مُشققة للجحيم.
لماذا كلّ هذا الشرّ؟
هل تحوّلت الحياة إلى غابة، لكن ليس فيها حيواناتٌ، بل بشرٌ بأسنان الذئاب، وقلوبِ الحجارة؟
أما آن لهذه الغابة أن تستفيق؟
أما آن لهذا الليل أن ينجلي؟
أتساءل، وكلّي يأسٌ من الجواب، ليتني كنت أدري…
ليتني كنت أجهل التفكير، لعلّني كنت أنام قريرة البال، بعيدة عن صراعٍ لا ينتهي في عقلي، اسمه: الإنسانية
فكما قال دوستويفسكي: “الشيطان يُصارع الله، وساحة المعركة هي قلب الإنسان.”
وهكذا قلبي، لم يعد يحتمل وطأة الحرب، ولا زال يبحث عن سلامٍ يشبه النسيان… أو يشبه الرحيل …

حلّت الإعلاميّة والمُخرجة زلفا عسّاف الرئيس التنفيذي لشركة Presses Partout ، ضيفة على برنامج “هي الحدث” على قناة France 24  في الذكرى ٥٠ للحرب اللبنانيّة ، للحديث عن فيلمها “محاربات من أجل السلام”
الذي يسلّط الضوء على تجربة ٤ محاربات شاركن في الحرب اللبنانيّة لكن النتيجة خذلتهن ليجدن أنفسهن يُحاربن كن اجل السلام

بعد نجاح فيلم يونان بطولة جورج خباز وإخراج أمير فخر الدين ووصوله إلى المسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي و حصوله على جائزتين في مهرجان باري و ميلانو في إيطاليا ، وبعد ان صور في الصيف الماضي فيلم mille secrets mille dangers مع المخرج المرشح للأوسكار Philippe Falardeau , يعود جورج خباز من جزر الكاناري في إسبانيا بعد أن صوّر دوره في مسلسل انتاج أسباني- الماني مع المخرجة السويدية Maria von helland ، المسلسل انتاج ضخم موجه للأولاد وقد لعب خباز دوراً مميزاً فيه.
كل هذا و يستعد خباز لعرض الموسم الثالث من مسرحية “خيال صحرا” مع عادل كرم على مسرح كازينو لبنان من ١٧ تموز ولغاية ١٧ آب في الصيف المقبل بعد أن لاقت المسرحية إقبالاً جماهيرياً غير مسبوق في الموسمين الماضيين.

زلفا عسّاف

في عالم المسرح، تظلّ النصوص المسرحيّة بمثابة الشاهد الحيّ على تطوّر التجربة الإبداعيّة، فهي ليست مجرد حروف تُسطّر على الورق، بل حياة متجدّدة تُعيد تشكيل نفسها عبر العروض المتلاحقة. في هذا السياق، يأتي كتاب “Les Quatre Raisons” للمسرحي  جو قديح، الصادر باللغة الفرنسيّة عن دار سائر المشرق، ليشكّل خطوة بارزة في توثيق التجربة المسرحيّة، حيث يضم بين دفتيه نصوص أربع مسرحيّات محوريّة من أعماله: “ع اليمين” (1998)، “التخت” (2000)، “البانيو” (2006)، و”Anna O” (2023).

الذاكرة في مواجهة العبور الزمني

ما يميّز هذا الإصدار أنه لا يكتفي بجمع نصوص مسرحيّات قدّمها قديح عبر أكثر من عقدين، بل يسعى إلى إعادة تقديمها في سياق مختلف، محاولًا بذلك الحفاظ على روح المسرح الحيّ ضمن إطار مقروء. المسرحيّات المُختارة تعكس تطورًا في أسلوب الكاتب، حيث تتنقل بين مواضيع اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة، لكّنها تظلّ مُتّسقة في هويتها .

“ع اليمين” (1998): تتناول قصة رجل معتقل يعود إلى منزله ليجد الأنقاض بدلًا من عائلته، فيلجأ إلى عالم الأوهام، ويحلم بمثال مفقود من نسج الخيال.​
“التخت” (2000): تروي قصة زوجين يواجهان مصيرهما على سرير، حيث يتحوّل الغرام إلى حلبة ملاكمة.​
“البانيو” (2006): تُعتبر كسرًا للقواعد التقليديّة، متحرّرة من القيود الكلاسيكيّة في السرد المسرحي.​

“Anna O” (2023): تُعد الأكثر نضجًا من حيث المضمون والبناء الدرامي، مُستوحاة من دراسات التحليل النفسي لسيغموند فرويد، مما يمنحها طابعًا نفسيًّا تحليليًّا يُعمّق أبعاد المسرحيّة.​


إحدى أبرز الإضافات في هذا الإصدار أن قديح لم يقتصر على نشر النصوص كما كُتبت أول مرّة، بل قام بترجمتها إلى الفرنسيّة، ما يفتح أمامها أفقًا أوسع للتلقي في سياقات ثقافيّة جديدة. لكن هذه الترجمة ليست مجرّد نقل لغوي، بل هي عمليّة إعادة تأويل للنصوص ضمن بنية محدّدة، إذ يحرص الكاتب على الحفاظ على روح العمل، مع منح النصوص حياةً جديدة قادرة على التواصل مع جمهور مختلف.
التحدّي في هذا النوع من الترجمة المسرحيّة يكمن في نقل الإيقاع اللغوي والمفارقات الثقافيّة دون أن تفقد النصوص أصالتها أو طاقتها الدراميّة. ومن هنا، فإن تجربة تحويل هذه المسرحيّات من العربيّة إلى الفرنسيّة تُثير أسئلة جوهريّة حول كيفيّة تفاعل الجمهور غير الناطق بالعربيّة مع هذه العوالم المسرحيّة.

المسرح كذاكرة حية

بإصداره “Les Quatre Raisons”، لا يسعى قديح فقط إلى توثيق أعماله، بل يطرح تساؤلًا أعمق حول علاقة النص المسرحي بالزمن. فالمسرح، كفنٍ حيّ، يكسب كل عرض جديد للنص أبعادًا مختلفة حسب الزمان والمكان والجمهور.
هذه المسرحيّات الأربع، رغم أنها وُلدت في أزمنة مختلفة، تجد نفسها اليوم مجتمعة في كتاب واحد، وكأنها تتحدّى فكرة الفناء المسرحي، لتبقى حاضرة وقابلة لإعادة الاكتشاف عبر القرّاء والمخرجين والممثلين الجدد.

إن أهمية هذا الإصدار لا تكمن فقط في كونه يجمع نصوصًا مسرحيّة، بل في كونه يؤسس لممارسة توثيقيّة في المسرح، حيث نادرًا ما يُقدِم الكتّاب المسرحيون على إعادة نشر نصوصهم ضمن مشروع توثيقي متكامل. وبينما يُنتظر أن تصدر هذه النصوص بلغتها الأصلية لاحقًا، فإن نشرها بالفرنسيّة أولًا يشير إلى رغبة قديح في توسيع نطاق تأثيره المسرحي خارج الحدود التقليديّة، وربما أيضًا إلى إعادة قراءة أعماله من زاوية مختلفة.

مسرح يكتب تاريخه بنفسه

من خلال “Les Quatre Raisons”، يكرّس جو قديح أهمية الكتابة المسرحيّة كفعل مقاومة ضد النسيان، وكجسر يصل بين الأجيال المختلفة من الفنانين والجمهور. هذا الكتاب ليس مجرّد أرشيف لمسرحيّات قديمة، بل هو دعوة لإعادة اكتشافها، وإعادة تمثيلها، وإعادة تأويلها، في كل مرّة تُفتح فيها صفحاته من جديد.

Scroll to Top