في ليلة موسيقية استثنائية، يلتقي جمهور الإمارات مع أجمل الأغاني العربية في حفل أوركسترالي بقيادة المايسترو العراقي الأصل ليث موريس ميشيل، الذي سيقدم أشهر أعمال لفنانين عرب كأغاني فيروز، كاظم الساهر، وحسين الجسمي و نجوم آخرين وأعماله الفنيّة الخاصة بأسلوب جديد موزّع بلمسة أوركسترالية فريدة من نوعها.

يعتبر المايسترو ليث موريس من أبرز الوجوه العراقية الذين يعيدون صياغة الموسيقى العربية والأغاني العالمية بأسلوب مبتكر، حيث سيقوم بتوزيع ألحان هذه الأعمال الشهيرة إلى جانب عزف ألحانه الخاصة على البيانو، مع مشاركة حوالي 30 عازفًا موسيقيًا من حول العالم، مما سيخلق تجربة موسيقية غنية تمزج بين الأنماط الموسيقية العالمية.

ويقام الحفل في مسرح سراي زعبيل في دبي بتاريخ 6 أبريل، حيث سيشهد الحضور مجموعة من المفاجآت الموسيقية، من بينها ظهور ضيوف شرف مثل عازف العود العراقي الشهير صادق جعفر، وعازف الكمان الشهير جهاد عقل، بالإضافة إلى المايسترو العراقي محمد صديق، ليضيفوا طابعًا فنيًا خاصًا على هذه الليلة الموسيقية.

هذا الحفل لا يفوّت للاستمتاع بأجواء العيد بواحدة من أروع التجارب الموسيقية التي تجمع بين الإبداع الشرقي والعالمي في قلب مدينة دبي.

*نبذة عن ليث موريس ميشيل*:
ليث موريس ميشيل هو عازف بيانو متميز، مؤلف وموزّع موسيقي، ورائد أعمال، بالإضافة إلى كونه مؤسس ومدير تنفيذي سابق لمركز بروكلين ميلوديز للموسيقى، المعهد الموسيقي الرائد في دبي منذ عام 2007.
بدأت رحلته الموسيقية في سن الرابعة، تحت إشراف والده موريس ميشيل، وهو موسيقي معروف مع أوركسترا السيمفونية الوطنية العراقية.
بعد إتمامه لتدريبه الكلاسيكي الرسمي، قادته فضوله الفني لاستكشاف مجموعة متنوعة من الأساليب الموسيقية، خصوصًا تلك التي تنتمي إلى التقاليد الشرقية، الجاز، واللاتينية بعدما جال العالم ليتشبّع بالغنى الموسيقي المختلف والمتعدد.
أدى تقديره العميق لهذه الأنماط إلى تطويره لأسلوب فريد يدمج التأثيرات بشكل سلس، مما مكنه من خلق مؤلفات أصلية وتفسير مبتكر للأعمال الكلاسيكية للمؤلفين الموسيقيين المشهورين من الشرق الأوسط.

وأنا أنظر إلى هذا الوطن الجريح، المصلوبِ على خشبة الأزمات، المذبوحِ من الوريد إلى الوريد، تساءلت: هل ما زلنا نعيش في وطنٍ أم في سوقٍ بلا ضوابط؟ في دولةٍ أم في متاهةٍ بلا مخرج؟لبنان… ذلك البلد الذي تغنّينا بجماله، أصبح وحشًا يلتهم أبناءه. جُبتُ بأسواقه، دخلتُ محلاته ومطاعمه، نظرتُ إلى المستشفيات والصيدليات، فلم أجد إلا أرقامًا تصاعدت بجنون، وأسعارًا أحرقت جيوب المواطنين كما يحرق الجمرُ الأصابع. بلدٌ أصبح الأغلى في المعيشة، والأرخص في كرامة الإنسان!
أي اقتصادٍ هذا؟ وأي وزارات؟
ما هي مهام وزارات الاقتصاد والتجارة إن لم يكن ضبط الأسعار؟ ما دور الوزراء إن لم يكن حماية المواطن من جشع الاحتكار؟ لا أدري إن كنا نعيش في ظل دولةٍ أم تحت رحمة حفنةٍ من التجار، يرفعون الأسعار كما يشاؤون، في غيابٍ تامٍ للرقابة والمحاسبة.كيف يعيش اللبناني؟ بل كيف ينجو؟
كيف لإنسانٍ أن يبقى في بلدٍ لا يتعدى فيه أجر العامل العادي 200 دولار، بينما إيجار غرفةٍ صغيرةٍ يلامس الـ400 دولار؟ كيف لشابٍ أن يبني مستقبله في وطنٍ يطالبه بالمستحيل؟ كيف لعائلةٍ أن تؤمّن قوتها اليومي في ظلّ هذا الغلاء الفاحش؟
أليس هذا نموذجًا لانهيار الدول؟
في فنزويلا، حين انفجرت الأزمة الاقتصادية، أصبحت الرواتب لا تساوي ثمن رغيف، وها نحن نسير على الدرب نفسه. هل ننتظر أن نصل إلى نقطة اللاعودة؟ أم أننا سندرك، ولو متأخرين، أن الوطن إذا خسر أبناءه فقد خسر كل شيء؟
لبنان يحتضر… فهل من يسمع أنينه؟
على من نُراهن لإنقاذه؟ على حكومةٍ غائبة، أم على مسؤولين أصمّوا آذانهم؟ إذا لم يكن هناك حلولٌ جذريةٌ لوقف هذا النزيف الاقتصادي، فإننا سنبكي قريبًا على أطلال وطنٍ كان يومًا “سويسرا الشرق”، لكنه تحوّل إلى “وطنٍ معروضٍ للبيع بأرخص الأثمان.

بقلم ليندا حمّورة

في الماضي، كانت الغربةُ مجرد مسافاتٍ بين القرى والمدن، بضعةُ كيلومتراتٍ تفصل الأخ عن أخيه، والابن عن أمه، وكان الحنين يُختصر برسالةٍ تُحملُ مع عابرِ سبيل. كنا نظن أن ذلك البُعد كان قاسيًا، ولكننا لم ندرك أن الأشد قسوةً قادمٌ في الغد.أما اليوم، فلم يبقَ بيتٌ في هذا الوطن إلا وفيه قلبٌ نصفه هنا ونصفه الآخر على ضفاف الغربة. صار البحرُ بيننا وبين أحبابنا، وصار الفراقُ عادةً، والهجرةُ كالخبز اليومي، لا تنقطع.هل سألنا أنفسنا لماذا؟
لماذا صار الوطنُ يضيّق على أبنائه، بدل أن يكون لهم حاضنًا؟ لماذا صار الأهلُ يربّون أبناءهم ليودّعوهم في المطارات، لا ليحتفلوا بنجاحهم بين أحضانهم؟ أليس هذا الحزن بعينه؟ كيف لوطنٍ تعلمنا في كتب الجغرافيا أنه “الأجمل”، “الأغنى”، “الأكثر تميزًا بموقعه ومناخه”، أن يتحول إلى محطة رحيل بدل أن يكون وجهة استقرار؟
أليس الوطن كالأم؟
كيف لأمٍ أن تترك أبناءها يرحلون واحدًا تلو الآخر، دون أن تسأل نفسها لماذا يغادرون؟ كيف لدولةٍ أن ترى شبابها يرحلون كما ترحل الطيورُ في موسم الشتاء، ثم لا تسأل كيف تعيدهم حين يزهر الربيع؟
قال الله تعالى في كتابه الكريم:
“المالُ والبنونُ زينةُ الحياةِ الدنيا” ، فكيف لوطنٍ أن يخسر زينته، ثم يتساءل لمَ صار وجهُه شاحبًا؟ أليست ثروته الحقيقية هي عقول شبابه وسواعدهم التي تُشيّد الأوطان؟
إلى متى؟
إلى متى سيبقى الوطنُ منزلاً بلا سكان؟ إلى متى ستبقى السياسةُ عاجزةً عن احتضان شبابها، عن منحهم ما يستحقون، عن جعل الوطن أكثر من مجرد محطةٍ مؤقتةٍ في طريق السفر؟
يا دولتنا الكريمة، أفيقي قبل أن يصبح الوطن “أرضًا بلا أصحاب”، قبل أن يصبح ذكرى يرويها المغتربون لأولادهم قائلين: “هنا كنا، وهنا تركنا قلوبنا!

بقلم ليندا حمّورة

في زمنٍ صارت فيه الأمراضُ ضيوفًا غيرَ مرحبٍ بها، تدخل بيوتنا دون استئذان، وفي عصرٍ بات فيه السرطان وحشًا طليقًا يلتهم الأجساد بلا رحمة، غير آبهٍ إن كانت الضحية رضيعًا يختبر أولى أنفاسه، أو شابًا لم يلمس أحلامه بعد، أو شيخًا أضناه الانتظار… نحن اليوم في وطنٍ يقف فيه المرضى على حافة الحياة، لا يملكون سوى أمل يتلاشى بين نقص الدواء وجشع الأسعار وعيون المستشفيات التي لا ترى فيهم إلا فواتير مؤجلة الدفع.
إننا اليوم بحاجة إلى دولة لا تتعامل مع المواطن كرقم في إحصاءات الموت، بل كنبض يحتاج إلى حماية، كجسدٍ يتوسل رعاية قبل أن يتحوّل إلى مجرد ذكرى. نحتاج إلى يدٍ تمتد إلينا قبل أن نسقط، إلى عينٍ تلتفت إلينا قبل أن يلتهمنا الألم… ولكن دولتنا العزيزة تراقب المشهد بصمت، وكأن أرواح شعبها ليست سوى أوراق تتساقط في خريف الإهمال.
أطباؤنا، الذين هم بقية الضوء في هذا النفق المظلم، صاروا هم أيضًا يبحثون عن حياة في أوطان تمنحهم حقهم في العطاء، بعدما ضاقت بهم بلادهم حتى صار الرحيل خيارًا وحيدًا. هؤلاء الذين كان من المفترض أن يكونوا ملائكة الرحمة في مستشفيات الوطن، صاروا طيورًا مهاجرة تحمل دواءها إلى شعوبٍ أخرى، بينما يئن أهلهم هنا بلا طبيبٍ أو علاج.
أيتها الدولة، كيف تمنحين أبناءك شهادة ميلاد دون أن تضمني لهم حق الحياة؟ كيف تتركين المرض ينهش فيهم بلا مقاومة، بينما أنتِ وحدك القادرة على منحهم مظلة تحميهم من هذا الطوفان؟ لماذا تصرين على تقديم ضمانة الموت بدل ضمانة الحياة؟
نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد وعود، إلى أكثر من نظرات الشفقة في نشرات الأخبار، نحن بحاجة إلى وطنٍ لا يكون فيه المرض حكمًا بالإعدام، بل محطة للعلاج والشفاء. فهل هناك من يسمع؟ وهل هناك من يملك الجرأة ليمد يده قبل أن يتحوّل الوطن كله إلى مشفى بلا دواء، أو إلى مقبرةٍ صامتة.

زلفا عسّاف

في ليلة ساحرة في كازينو لبنان، امتزج رونق الأصالة مع نبض الموسيقى،فعاش الحضور تجربة فنيّة لا تتكرّر.

بصوتها العميق الذي يحمل الشجن والجمال، وقفت جاهدة  لتكرّم أيقونات الغناء العربي في أمسية استثنائية.

لم يكن الحفل مجرد استعادة لأغنيات الزمن الجميل، بل كان بعثًا جديدًا لها، تكريمًا للذكرى الخمسين لرحيل أم كلثوم واحتفاءً بالمرأة في يومها العالمي.

بلقبها الذي يليق بحضورها الآسر، “كاهنة المسرح” و”ديفا الشرق”، اعتلت جاهدة الخشبة بثقة، تنسج من صوتها ألوانًا من العاطفة والتعبير المسرحي الأخّاذ.

على مدى ساعة ونصف، امتزجت الموسيقى بالشعر، فألقت قصيدة “الأرز” لناديا تويني، واستحضرت كلمات أحلام مستغانمي، مانحة للأداء بعدًا يتجاوز الغناء، وكأنها ترسم بالكلمات لوحات موسيقية حية.


لكن اللحظة الأبرز كانت عندما بدأ صوتها يملأ القاعة.

لم تكن “أنت عمري” مجرد أداء كلاسيكي، بل روح جديدة تنبض داخل اللحن، تأخذ المستمعين في رحلة بين النغم والذكرى.

ومع “سألوني الناس” لفيروز، غاصت في بحر الشوق، حيث كان الحنين واضحًا في أعين الجمهور قبل أن تلتقطه آذانهم.

تحية خاصة للصبوحة قدمتها بأغنية “عالضيعة يما عالضيعة”، وكأنها تعيد الزمن إلى بساطته ونقائه. ثم جاء دور “في يوم وليلة” لوردة، التي قدمتها بإحساس متصاعد، حيث امتزجت العاطفة المتقدة بالرقي الفني الذي لطالما ميزها.

وفي لحظة روحانية خالصة، خيّم الصمت عندما أدت “ما طلبت من الله”، أغنيتها الخاصة التي بدت كأنها مناجاة في ليلة قدر استثنائية. هنا لم يكن الغناء مجرد صوت، بل دعاء يتأرجح بين الأرض والسماء، بين الفن والإيمان، بين الموسيقى والخلود.


ومع اقتراب النهاية، جاء مسك الختام بأحد أعظم ما غنّت أم كلثوم: “الأطلال”. وكأن جاهدة وهبة قرّرت أن تُغلق الحفل كما يُختتم الجمال الحقيقي، بصوت يلتقط صدى الزمن ويمنحه حياة أخرى. تمازجت النغمات مع ذهول الحضور، ليظل الصمت بعدها محمّلًا بالتأمل.


لم تكن أمسية عادية، اختتمت بتكريم جاهدة، بل درسٌ في كيف يُعاد إحياء الروائع دون أن تفقد سحرها.

ولم تكن جاهدة مجرد مغنية، بل روح تتجسد في كل أغنية، بحضور مسرحي أخّاذ وتفاعل جعلها أقرب إلى الجمهور.

جاهدة وهبة لم تكرّم أيقونات الأغنية العربيّة فحسب، بل أثبتت أنها جزء من هذا الخلود.

الصور بعدستي:

ساسين دكاش، غسان عفلق

كبارنا… الذاكرة التي لا يجب أن تبهت
حضنته وقلت له: “ابتسم، ها أنا ألتقط لك صورة.” ابتسم تلك الابتسامة التي لا يشوبها زيف، ابتسامة تختصر قرنًا من الحياة، من الحكايات، من الحب والألم معًا. وحين دنوت منه بشاشة الهاتف لأريه الصورة، أمسك بمنديل ورقي كان بجانبه وقال لي: “حطيلي ياها هون، لشوفها منيح.”

في تلك اللحظة، أدركت أن جدي لا يرى الصورة كما أراها، لا تعني له شاشة مضيئة بقدر ما تعني له ورقة يحملها بين يديه، يلامس ملامحه كما لو كان يتحسس عمره الطويل المنعكس أمامه، كما لو كان يريد أن يعيد تشكيل ماضٍ لم يخذله كما تفعل الحاضر. ربما في نظره، التقنية لا تساوي شيئًا أمام ملمس الذكريات الحقيقي، فالصورة على الورق تشبه روحه… ملموسة، حقيقية، لا يمكن أن تمحى بلمسة إصبع.
نعم، إنه جدي، ذلك الرجل الذي لطالما تحدثت عنه بكل شفافية وصدق، لأنني أؤمن أن كبارنا هم الرواية التي يجب ألا تُطوى، هم الشموع التي تحترق لتضيء لنا الطريق، هم الجذور التي تمسك الأرض كي لا تقتلعنا رياح الحياة.
في زمنٍ أصبحنا نركض فيه خلف كل جديد، ننسى أحيانًا أن هناك من يجلس في زاوية الزمن، ينتظر من يصغي، من يمنحه لحظة من وقته، من يوقظ في قلبه ذلك الدفء الذي بدأ يخفت مع مرور الأيام. لا يعنيني مجالسة أصحاب النفوذ والمناصب بقدر ما تعنيني جلسة هادئة مع رجل تجاوزته السنوات لكنه لم يتجاوزه الشغف بالحياة، مع امرأة تحمل في تجاعيد وجهها ألف حكاية تنتظر من يقرأها.
كبارنا ليسوا مجرد أشخاص عاشوا قبلنا، بل هم نحن… في المستقبل. كل لحظة نقضيها معهم هي استثمار في ذكرياتنا القادمة، كل كلمة ينطقون بها هي درس مجاني في الصبر، في الحب، في معنى البقاء رغم كل شيء.
إنهم ثروة، لكنهم ثروة لا تباع ولا تشترى، بل تُصان، تُحفظ، وتُعاش بكل تفاصيلها. لأنهم حين يرحلون، لن تبقى سوى صور معلقة، وأصوات متلاشية في أروقة الذاكرة، وسنجد أنفسنا نحاول استعادة ملامحهم من غبار الزمن، حينها .فقط سندرك كم كنا فقراء وسط انشغالنا عنهم

ماجدة داغر

بدعوة من رئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى المؤلفة الموسيقية هبة القواس، أحيت الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية حفلة موسيقية في كنيسة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في مونو، بقيادة المايسترو لبنان بعلبكي، ومشاركة كورال جامعة سيدة اللويزة بإدارة الأب خليل رحمة، وأداء: السوبرانو ماري جوزيه مطر، الميزو الفرنسية آكسيل سان سيرل، التينور بشارة مفرّج والباريتون شادي طربيه.
حضر الاحتفال نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري، النائب علي عسيران، وسفراء: فرنسا، روسيا، إسبانيا، البرازيل، النمسا، الإورغواي، تشيلي، ووزراء ونواب سابقون: محمد المشنوق، الياس حنا، وغسان مخيبر، وشخصيات سياسية ودبلوماسية وثقافية وإعلامية ومدراء عامون، وجمهور كبير من محبي الموسيقى ومتابعي حفلات الكونسرفتوار الوطني.


اختلفت هذه الأمسية عن سابقاتها، بما تضمنته من نبض استثنائي حلّق بها إلى شواهق المتعة الخالصة. تمثّل هذا النبض بعودة افتتاح الموسم الموسيقي للأوركسترا الفلهارمونية بعد”فترة من الصمت فرضته عواصف الحرب” كما جاء في كلمة رئيسة المعهد، ولأن “لبنان كالموسيقى، لا يستسلم للصمت” بتعبيرها أيضًا، شهدت كنيسة القديس يوسف “غزوًا” جماهيريًّا حاشدًا غصّت به مقاعد الكنيسة والباحات الجانبية والممرات، وصولًا إلى بهوها الخارجي الذي ملأه محبّو الموسيقى والأوركسترا، رغم البرد القارس.
توليفة مسكونة بالجمال والإبداع والإبهار، قدمها الكونسرفتوار الوطني في أمسية تجلّت فيها عناصر الإبداع مكتملةً. فاحتفت الأوركسترا بـ “القداس الجنائزي”-“Requiem”، أحد أعظم الأعمال الكلاسيكية للمؤلف النمساوي الشهير وولفغانغ أماديوس موازرت (1756 – 1791) العمل الموسيقي الملهِم وأحد روائع موزارت الخالدة، الذي يتجاوز الموسيقى إلى رحلة روحية قدسيّة نغميّة تُجاور أعمق المشاعر الإنسانية. كما حلّقت
مفتتحةً مع المؤلف الموسيقي الألماني – الأميركي والمنظّر الموسيقي والشاعر والعازف بول هيندميث (1895-1963) في خمس مقطوعات لوتريات الأوركسترا.
حضر جمهور الموسيقى ليشهد على هذه اللوحة الفنية المرصّعة بجميع أنماط الرّقي. فإلى جانب أوركسترانا الوطنية العظيمة، ضمّت التوليفة الساحرة لوحات مترفة بعبق الموسيقى والأصوات المبهرة: جماعيًّا، جوقة مترنّمة كسربٍ يخترق بأصواته المتناغمة سكون الروح، مع كورال سيدة اللويزة التي قادها وأدارها باحترافيته المشهودة الأب خليل رحمة بعد شهر وأكثر من التمرينات المكثّفة، لتنصهر بقداس موزارت كأنهما صرحٌ صوتيّ واحد يعجز السامع عن تسلّقه. منفردةً، لمعت على أسوار هذا الصّرح الأصوات المتدفقة كنهر مسحور: السوبرانو ماري جوزيه مطر، الميزو آكسيل سان سيرل القادمة من فرنسا خصيصًا للحفلة، التينور بشارة مفرّج والباريتون شادي طربيه.
عبرت الفلهارمونيّة الوطنية بقيادة بعلبكي جمالية هذا المشهد، إلى تلك الأمكنة العميقة التي تتجسّد فيها تساؤلاتنا عن المصير، في كل جملة صوتية ولحنية حيث تلتقي الروح بالجمال الأبدي. وحيث، تربط عبقرية موزارت بين الوجود والتلاشي، بين الآلام والسلام، وتجمع بين الحزن والرجاء، في لحظات من السكون الصاخب، وكأنها دعوة للتأمل في الأبعاد الأعمق للروح البشرية. بعازفيها اللبنانيين والأجانب القادمين من روسيا ودول أخرى، جسّدت الأوركسترا، العاصفة الموسيقيّة المتوارية خلف أوتار كمنجاتها، موزّعةً برقّةٍ أحيانًا وعصف أحيانًا أخرى، في كريشندو يتنقّل على أقواس التشيلو والفيولا والكونترباص، مستجيبًا لعصا القائد. متسرّبًا بحنوّ وعنف كأنفاس متهدّجة، إلى آلات النفخ التي تستمدّ منه النسائم والرياح على حد سواء، لتلتقي بروح موزارت التائقة دومًا إلى ما خلف الموسيقى في قداسه الخالد.
افتتحت رئيسة الكونسرفتوار د. هبة القواس الحفل الاستثنائي بكلمة تضمنت الكثير من المشاعر الوطنية الوجدانية، ومشاعر الاعتزاز بعودة الأوركسترا بعد “فترة من الصمت”، كما أعلنت عن مفاجأة موسيقية تندرج ضمن النهضة التي يشهدها الكونسرفتوار عبر إطلاق مشاريع مهمة. وقبل أن تتوجه إلى الحضور، استأذنتهم بتلاوة كلمتها باللغة الإنكليزية، بسبب وجود مجموعة كبيرة من السفراء والدبلوماسيين الأجانب الذين يتعذر عليهم فهم العربية، وهي التي تحرص دائمًا على التحدث باللغة العربية تقديرًا واحترامًا للغتها الأم. وجاء في كلمتها:
“الليلة، بينما ترتفع النغمات الأولى من “قداس موزارت” من هذه الخشبة، فإنها تفعل ذلك ليس فقط كتحفة موسيقية، بل كشهادة عميقة على الصمود، والولادة الجديدة، والتجدد. تمثل هذه الأمسية إعادة افتتاح الموسم بعد فترة من الصمت، صمت فرضته عواصف الحرب واللايقين الذي كانت سائدة. لكن لبنان، كالموسيقى، لا يستسلم للصمت. فالموسيقى، في جوهرها، هي صوت الحضارة، وصوت التعبير الإنساني، والجسر العابر للحدود الذي يوحد القلوب والسياسة والاختلافات. والليلة، هي أكثر من مجرد لوحة فنية، إنها بمثابة بيان. إنها صوت لبنان يقول لشعبه، وللمنطقة، وللعالم: نحن هنا، نحن صامدون، ونعزف سيمفونية الأمل من جديد.
“ومع انتخاب رئيس جديد، وتشكيل حكومة برئاسة رئيس وزراء جديد، يقف لبنان على عتبة عهد جديد. العالم يراقب والتوقعات كبيرة والمسؤولية جسيمة. لكن لبنان لطالما وجد طريقه، تمامًا كما تجد السمفونية دائمًا حلّا لها، مهما بدت حركتها متنافرة.
في هذه اللحظة الحاسمة، كان لي شرف إجراء حوار عميق مع وزير الثقافة الجديد، الدكتور غسان سلامة، حيث تشاركنا رؤية مشتركة، رؤية متجذرة في قوة الموسيقى كقوة دفع للدبلوماسية الثقافية والنهضة الاقتصادية. اتفقنا معًا على ضرورة تطوير مشاريع استراتيجية لا تعزز فقط القطاع الإبداعي في لبنان، بل تجعله أيضًا ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. ستشكل هذه المشاريع حجر الأساس لاقتصاد موسيقي يولّد الفرص، ويجذب الاستثمارات، ويبرز التميز الفني اللبناني على الساحة العالمية.
من خلال الدبلوماسية الموسيقية، سنرفع صوت لبنان في الحوار الثقافي الدولي، مؤكدين أن لغة الموسيقى قادرة على تجاوز الفوارق وإلهام الوحدة. نحن ملتزمون بمبادرات تضع لبنان في صلب التعاون الثقافي العالمي، مشاريع لا تقتصر على الحفلات الموسيقية، بل تمثل أفعالًا من التمثيل الثقافي والصلابة الوطنية”.
وأضافت القواس: “هذا هو التزامنا: تمكين الموسيقى والثقافة والفنون كمساهمين أساسيين في تعافي لبنان ومسيرته قدمًا إلى الأمام. وهذه الجهود ليست منفصلة عن التقدم الوطني، بل هي جزء لا يتجزأ منه. إنها تدعم تطلعات الحكومة، وتعزز مكانة لبنان في العالم، وتخلق مستقبلاً يقود فيه الإبداع والابتكار مجتمعنا نحو الازدهار”. وتابعت: “في هذه اللحظة، أود أن أعرب عن أبلغ امتناني لعازفي الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية اللبنانية، إلى موسيقيينا اللبنانيين الملتزمين، وكذلك الموسيقيين العالميين المتميزين الذين انضموا إلينا، لا سيما من روسيا ودول أخرى من العالم. إن حضوركم وإبداعكم في هذه المرحلة الدقيقة، هما شهادة على قوة الموسيقى ودورها في إعادة بناء لبنان.
وأود أن أشكر المايسترو لبنان بعلبكي، الذي يشكل بإخلاصه الراسخ ملامح المشهد الموسيقي في لبنان، وينقل صوته إلى العالم بشغف وتميز. كما أود أن أحيّي وأحتفي بالأصوات اللبنانية الجميلة والاستثنائية التي نفخر بها: السوبرانو ماري جوزيه مطر، التينور بشارة مفرج، والباريتون شادي طربيه. ويشرفني أن أرحب وأشكر الصوت المرموق والفريد، الميتزو- سوبرانو أكسيل سانت سيريل، التي انضمت إلينا من فرنسا لتكون جزءًا من هذه الأمسية المتميزة. إن حضورك يثري هذا العرض ويجعل هذه اللحظة أكثر أهمية للبنان.” وتوجهت القواس بالشكر الجزيل إلى جوقة جامعة سيدة اللويزة (NDU) و”قائدها الاستثنائي”، الأب خليل رحمة، على جهودهم الجبارة في إنجاح الحفل.
وعن مفاجأة موسيقية مهمة أعلنت القواس: “وأنا أقف أمام هذا “الريكوييم” العظيم، أستغل هذه الفرصة لأعلن عن خطوة مهمة تُدشن حقبة جديدة في التاريخ الموسيقي اللبناني. يسعدني أن أعلن رسميًا عن إطلاق الجوقة الفلهارمونية الوطنية اللبنانية (الكورال) للمرة الأولى في لبنان. وأفتخر بالإعلان عن فتح باب الانضمام إلى هذا الكورال الجديد والتاريخي، الذي سيقف إلى جانب الأوركسترا الفلهارمونية الوطنية لتمثيل التميز الثقافي اللبناني. وهكذا تكون بداية رحلة سترتقي بالتقليد الكورالي في لبنان وتعزز صوته الوطني في عالم الموسيقى السيمفونية”.
وتابعت: “بينما يتكشف “قداس موزارت” الليلة، سيتردد صداه بين أصداء الفقد، لكنه سيحمل أيضًا وعد القيامة، ليذكّرنا بأن من الظلام ينبثق النور، ومن المعاناة يولد الجمال، ومن الصمت تعود الموسيقى دائمًا. الليلة، نحن لا نفتتح موسمًا موسيقيًا فحسب، بل نفتتح فصلًا جديدًا، فصلًا جديدًا للبنان، حيث لا نحتفي بالموسيقى والفن والثقافة فقط، بل نمنحها القوة لتكون ركائز أساسية في نهضة وطننا”.
وختمت:”نأمل ألا يكتفي لبنان بالتعافي فقط، بل أن يعيد تخيّل وتشكيل نفسه. وهو الذي تعكس موسيقاه تناغم شعبه، لبنان لا يراقبه العالم فحسب، بل ينصت إليه”.

بقلم ليندا حمّورة
‎بينما كنت أتحدث مع ابني الذي بلغ الثامنة عشرة، أخبرني عن صديقته. بابتسامة مازحة سألته: “أهي جميلة؟” فردّ عليّ بصورة التقطها معها، رأسيهما متلاصقان، كأنهما قطعة واحدة. انتفضت، وقد باغتني المشهد، فسألته بذهول: “ما هذا؟” أجابني ببساطة مدهشة: “وماذا في ذلك؟ إنها مجرد صديقتي!”
‎في تلك اللحظة، شعرت كأن الزمن يسحبني من يدي إلى الوراء، إلى ماضٍ بعيد كنت فيه فتاة مراهقة، بريئة كصفحة بيضاء لم تخطّها العولمة بعد. تذكرت رحلة مدرسية حملنا فيها معنا الكاميرا الشهيرة”كوداك”، بعدد صور محدود لا يتجاوز الأربع والعشرين، ومن كان ميسورًا امتلك واحدة بستٍ وثلاثين لقطة، وكأن الذكريات آنذاك كانت أغلى، واللحظات تُوثّق بانتقاء شديد.


‎في تلك الرحلة، التُقطت لي صورة لم أكن أعلم عنها شيئًا، وحين عرفت، كان هاجسي الوحيد أن أستعيدها، مع النيغاتيف أيضًا، كأن روحي قد سُرقت في ظلّها، وكأن صورتنا لم تكن مجرد انعكاس، بل سرّ من أسرارنا المغلقة. كان ذلك زمنًا أكثر نقاءً، زمنًا كنا نحسب فيه للصور حسابًا، ونرى في المسافة بيننا وبين الآخرين حرمة وجلالًا.
‎واليوم؟ اليوم تُلتقط الصور كأنها أنفاس عابرة، تتطاير في فضاء بلا قيود، بلا رهبة، بلا ذاك الحياء العذب الذي كان يلوّن أيامنا. كيف تبدّل كل شيء بهذه السرعة؟ كيف أصبح الحاضر غريبًا عن ماضينا؟ وإلى أين يمضي بنا هذا التيار الجارف، الذي لم يترك لنا حتى فرصة التقاط الأنفاس.

بقلم ليندا حمّورة

بعد جدال طويل، صمت قليلًا وقال: “قد تكونين على حق، ولكنك عنيدة… والعناد صفة العاشقين.” ابتسمت ولم أُجب، فبعض المعارك لا تُحسم بالكلمات، وبعض الحقائق لا تحتاج إلى دليل سوى الشعور الذي يفيض به القلب.

سألني صديق ذات مساء: “أتؤمنين بالحب؟” أجبته بلا تردد: “لا، بل أؤمن بالمحبة.” نظر إليّ بدهشة وقال: “وما الفرق بينهما؟” فقلت: “شتّان بين هذا وتلك!”

المحبة ليست مجرد فكرة عابرة، وليست حالة مؤقتة تأتي وتذهب كما يشاء الزمن. المحبة نقاءٌ صافٍ، لا تشوبه مصلحة ولا يعكّره شرط. هي امتداد للنور في أعمق زوايا الروح، كما قال جبران خليل جبران: “المحبة لا تأخذ إلا من ذاتها، ولا تعطي إلا من ذاتها.” هي لا تسأل لماذا، ولا تنتظر المقابل، فهي في ذاتها المنبع والمصب، البداية والنهاية.

أما بيننا، فالحب أصبح شيئًا آخر… أصبح تجارة في سوق المشاعر، حيث تُباع العواطف بأثمان باهظة، ويُطلب منك أن تمنح قلبك كاملاً مقابل لحظات مؤقتة. الحب كما نعيشه اليوم يأخذ منك أكثر مما يمنحك، يسلبك راحتك، يعكر صفو عفويتك، يلطّخ نقاءك بشيء من الخوف والغيرة والتردد. الحب في زمننا هذا يرفع شعارات رنانة، لكنه يخلو من الحقيقة، يُطالبك بالتضحية، لكنه كثيرًا ما ينسى أن يمنحك الطمأنينة.

المحبة صلاة، نقاءٌ لا تشوبه شوائب الامتلاك، هي ذلك الشعور العميق الذي لا يحتاج إلى إثبات، لا يُكتب في الرسائل المزخرفة، ولا يُقال على مسامع الجميع، بل يُحسّ في النظرة، في الصمت، في التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد إلا من أحبّ بروحه قبل قلبه.

المحبة هي أن تترك دون أن تُفسد، أن تمنح دون أن تنتظر، أن تحب لأن الحب هو الحقيقة الوحيدة التي لا تحتاج إلى برهان. فهل نحن قادرون على المحبة حقًا؟ أم أننا أسرى حبٍّ يعذبنا أكثر مما يحيينا؟

زلفا عسّاف

في عالم يتداخل فيه الحلم بالواقع، يعود الفن إلى منابعه الأصلية ليواجه أسئلة الإنسان الوجودية بجرأة غير تقليديّة.
زينة دكاش، المخرجة التي طالما ارتبط اسمها بالإبداع المسرحي الذي يتجاوز حدود القوالب الجاهزة، تُقدّم لنا في مسرحيتها الأخيرة “اللي شبكنا يخلّصنا”، عملًا يرفض أن يكون مجرد عرض مسرحي، بل هو دعوة لرحلة معقدة في عمق الروح والمجتمع.

المسرحية، التي تُعرض على خشبة مسرح المونو في بيروت حتى 23 شباط، تنقلنا إلى عوالم مجهولة، حيث تلتقي الذات بالآخر، ويصطدم الماضي بالحاضر في سياق مجتمع لا يزال يعاني من تداعيات الحروب والأزمات.

تتجسد مسرحية “اللي شبكنا يخلّصنا” من خلال تجربة زينة دكاش الشخصية، وهي التي قرّرت، منذ أكثر من عقد من الزمان، أن تقبع في سجون لبنان، ليس كغريبة عن النظام القضائي، بل كمُعالجة نفسية وفنيّة لأشخاص سجناء في ماضيهم وحاضرهم. العمل هنا ليس مجرد قصة عن السجن، بل هو إعادة تعريف للمفهوم ذاته، حيث السجون لم تعد مجرد أسوار حديدية، بل هي مفاهيم اجتماعية وثقافية تصطف لتشكل قيدًا أكثر تعقيدًا: سجن الهوية، سجن الغربة، وسجن المجتمع.


بينما تُقدّم دكاش قصة جوزيف جول، السجين السابق الذي عاش داخل جدران السجن لأكثر من 30 عامًا، فإنها في الوقت ذاته تروي قصة سجنها الشخصي، حيث تجد نفسها عالقة في مفترق طرق: هل هي منقذة أم ضحية؟ هل هي سجّانة أم سجينة؟ لكن السؤال الأكثر أهمية يظل: كيف نواجه الغربة التي نشعر بها، ليس فقط من الخارج، بل من داخلنا؟
التحرّر من خلال التفاعل: الكوميديا والفلسفة المتشابكة
في قلب هذا العرض العاطفي المعقد، يظهر الكوميدي سام غزال ليمزج الضوء بالظل، ويخلق توازنًا فنيًا يعكس التوترات بين السخرية والجدّية. بلمساته الكوميدية وتقديمه لفرص للضحك وسط الفوضى، لا يخفف غزال من عمق الأسئلة المطروحة فحسب، بل يفتح أفقًا جديدًا للتأمل. الكوميديا هنا ليست فقط أداة للتسلية، بل هي طريقة للغوص أعمق في الألم الإنساني، لتحرير المشاهد من العبء العاطفي الثقيل دون أن يغادره الشعور بالجدّية.


وبينما يستعرض جول تجربته العميقة داخل السجن، يظهر الحضور الخاص لكل من سينتيا كرم وماغي فرح عبر الفيديو ليضيف بُعدًا غريبًا للمسرحية. هذه الإطلالات، رغم كونها عبر الشاشة، تأخذ المشاهد إلى منطقة رمزية أعمق حيث تصبح الصور أكثر من مجرد وجوه شهيرة: إنهن تمثلن لنا وجوه العالم الذي ينكسر ويسعى لإعادة بناء نفسه من خلال التأمل في الماضي والبحث عن المستقبل.

في جوهر المسرحية، تطرح زينة دكاش تساؤلات لا يسهل الإجابة عنها. هل من الممكن أن نتحرّر من الماضي؟ وهل نحن قادرون على شق طريقنا وسط هذا الصخب الاجتماعي الذي يحيط بنا؟ ومن خلال هذا العمل، تؤكد دكاش على أن الحلّ لا يكمن في الهروب، بل في المواجهة. المواجهة مع ماضينا، مع مجتمعاتنا، ومع أنفسنا.
“اللي شبكنا يخلّصنا” ليس مجرد مسرحيّة عن السجن، بل هو تأمل فلسفي في حقيقة الأسرى الذين قد نكونهم في عقولنا، في مفاهيمنا عن الحياة، في أحلامنا التي قتلناها بحثًا عن واقع لا يتوقف عن العصف بنا. وهذه هي قوة المسرحية: فهي لا تقدّم فقط علاجًا نفسيًا للأفراد، بل دعوة جماعية للبحث عن خلاص من هذا السجن الأوسع الذي نسجناه حول أنفسنا.

من خلال هذه التجربة المسرحية، لا تقدّم زينة دكاش مجرّد عرض أو قصة، بل تخلق نفقًا ضيقًا وموحشًا يصعب تجاوزه، لكنه في النهاية يفتح أبوابًا نحو الهروب؛ هروب ليس إلى الخارج، بل إلى الداخل. إذا كانت المسرحية علاجًا، فإن دكاش تقدّم لنا علاجًا جماعيًا، من خلال قدرتها الفائقة على التفاعل مع الجمهور، وتقديم رؤية تلامس قلوب الحضور، وتدفعهم للغوص في أعماق الذات والمجتمع.
“اللي شبكنا يخلّصنا” هي أكثر من مجرّد مسرحية: إنها تجربة جادة في البحث عن الأمل في عالم يتخبط بين الارتباك والتحرّر.

Scroll to Top