هشك بشك شو’ عِبق الزمن الجميل  بحرفيّة مُذهلة… ١١ عاماً، وليستمرّ العرض

زلفا عسّاف

عندما خطوتُ إلى “مترو المدينة” في بيروت، كنت أدرك أنني على موعد مع عرض مختلف، لكن ما لم أتوقعه هو أن أعيش تجربة فنيّة أشبه بسفر زمني يحملني إلى أزمنة ماضية كانت تزخر بالحياة والموسيقى.

“هشك بشك شو”، هذا العرض الذي يمتد لساعتين وربع، لم يكن مجرّد أمسية فنيّة، بل حالة شعوريّة مكثّفة تخللتها لحظات من الانبهار، الدهشة، والحنين.

مع انطفاء الأضواء، بدأ المسرح ينبض بحياة خاصة. كانت الافتتاحية أشبه بعناق بصري وسمعي مع الزمن الجميل: أصوات موسيقى العود والكمان تسري في الأرجاء، يتردد صداها كأنّها قادمة من مقهى قديم أو فرح شعبي.

صعد الفنانون على خشبة المسرح بأسلوب متدرّج ودرامي، يحمل كل منهم شيئًا من شخصيّته الفنيّة التي تتداخل بسلاسة مع الآخر. زياد الأحمدية، بالتوزيع الموسيقي الذي يسبر أغوار التراث ويُعيد صياغته بلمسة معاصرة، وضع حجر الأساس لهذا العالم الإبداعي.

الأغاني الأولى بدت وكأنها تمهيد لحكاية أعمق، مع تصاعد إيقاع الأداء الذي اتسم بالدقة والانسجام. كانت خشبة المسرح في ديكورها ثرية في دلالاتها؛ المقاعد والأضواء ، وألوان الملابس التي تمازجت بين البهرجة والبساطة، خلقت جميعها حالة من التماهي مع أجواء الماضي، كما لو أننا داخل لوحات حيّة تُعيد إحياء مشاهد كانت تشكّل ملامح الفرح في الأفراح المصريةّ. كان كل شيء محسوبًا بعناية دون أن يفقد العفوية الساحرة التي ميّزت العرض.

ما جعل التجربة أكثر عمقًا هو الشعور المتنامي بأن الجمهور ليس مجرّد مُشاهد، بل شريك في الحكاية. تصفيقهم المتكرر، ضحكاتهم على الإيماءات الكوميدية الخفيفة، وحتى انخراطهم الحسي مع الأغنيات القديمة التي تعيد إلى الذاكرة أزمنة لم يعشها الكثيرون منهم، أضاف طبقة أخرى من الحياة إلى العرض.

المخرج هشام جابر كان واضح البصمة في هذا العمل. رؤيته الإبداعيّة إعتمدت على تقديم الفن الشعبي بعمقه وجمالياته، لكنه لم يقع في فخ الكليشيهات. هناك خيط رفيع بين تقديم التراث كنوستالجيا سطحيّة أو كإعادة ابتكار عصريّة، وجابر سار ببراعة على هذا الخيط، مقدّمًا عملًا أصيلًا لكنه نابض بالحياة، يتحدث إلى أذواق مُتعدّدة الأجيال. قدَّم جابر في عرضه لوحات فنيّة تخلّلها لمسات فنيّة تُذكرنا بالزمن الجميل، إذ أعاد خلق أجواء الحياة في القاهرة عبر صور مرئيّة وصوتيّة تدمج بين جماليات الرقص المصري وجمال التفاصيل الحركيّة التي كانت تحاكي التقاليد العريقة في كل خطوة.

لحظات حبس الأنفاس كانت عديدة. في إحدى الأغنيات اجتمع الفريق على المسرح في أداء يشبه الاحتفال. تناغم الأصوات، الإيقاعات، والحركات التي تحمل طابع الرقص المصري القديم، خلقت حالة من التوحد بين الفنانين والجمهور. كان المسرح يعجّ بالحركة، لكنّه في الوقت ذاته كان منضبطًا إلى درجة الكمال.

أكثر ما يميز “هشك بشك شو” هو ذلك الحس الفريد الذي يجمع بين الفكاهة، الشجن، والجمال. هناك لحظات مُضحكة، لكنها لا تُضعف من جديّة العمل. هناك لحظات عاطفيّة، لكنها لا تقع في الميلودراما. العرض يشبه الحياة نفسها؛ خليطًا من الأحاسيس المُتناقضة التي تتشابك لتخلق شيئًا حقيقيًا.

إستمرارية عرض “هشك بشك شو” لمدة 11 عامًا على مسرح مترو المدينة، لا تُعدّ مجرّد مقياس للوقت، بل هي شهادة حيّة على قدرة العمل الفنّي على التكيّف مع تغيّرات الذوق العام والجمهور، واستمراره في الحفاظ على مكانته كإحدى التجارب المسرحيّة الأكثر تأثيرًا. هذا النجاح الطويل يعود إلى قدرة العرض على دمج التراث مع الابتكار بشكل يجذب مُختلف الأجيال، فبينما يلُامس تفاصيل الماضي من خلال ألحانه وكلماته، يظل قادرًا على تقديم تجربة معاصرة تجذب الجمهور المُتعطش للفن الحي والمختلف. كما أنّ الاستمرارية تشير إلى عمق العلاقة التي بنيت بين العرض وجمهوره، الذي لا يرى فيه مُجرّد عرض فني، بل لحظة ترفيهيّة ووجدانيّة تحمل بين طياتها قصة حضارة وثقافة تتجدّد مع كل تقديم.

حين غادرت المسرح، شعرتُ أنني حملت معي جزءًا من تلك الليلة. هذا ليس مجرّد عرض ينتهي مع آخر نغمة، بل هو تجربة تترك أثرًا في الذاكرة.

“هشك بشك شو” ليس فقط عن الماضي، بل عن الحاضر أيضًا، وعن تلك العلاقة المستمرة بين ما كُنّا عليه وما نحن عليه الآن.

إذا كان الفن قادرًا على تجاوز حدود الزمن والمكان ليُحرّك مشاعرنا ويجعلنا نُفكّر في هويتنا الفنيّة والإنسانيّة، فإن “هشك بشك شو” هو نموذج مثالي لذلك. إنه أكثر من مُجرّد احتفال بالزمن الجميل؛ إنه احتفاء بالحياة، بتعقيداتها وبساطتها، بفرحها وشجنها، وكلّ ما يجعلها تستحق أن تُعاش.


 

أربع لوحات أدّى خلالها تسعة فنانين موزعين بين موسيقيين، مغنين، ممثلين وراقصين عشرات الأغنيات من الزمن الجميل،

ياسمينا فايد: غناء

زياد الأحمدية: غناء، عود

بهاء ضو: إيقاع، غناء

زياد جعفر: كمنجة، غناء

هشام جابر: غناء

رندا مخول: رقص

لينا سحاب: غناء

منذر بعلبكي: غناء

سماح بو المنى: أكورديون

هشام جابر: مدير فني

زياد الأحمدية: توزيع موسيقى

وسام دلاتي: تصميم ملابس

نديم صوما: تصميم إضاءة وبصريات

سارة نهرا: مديرة إنتاج

جو نكوزي : منسّق إنتاج

لارا نصّار: هندسة صوت

إنتاج مترو المدينة