بار فاروق: حين تنبض بيروت بزمنها الجميل من جديد

زلفا عسّاف
في عتمة القاعة التي تشبه صندوقاً مسحوراً، يبدأ عرض “بار فاروق” بسحر يأخذك بعيداً عن صخب الحاضر إلى عوالم بيروت القديمة، حيث امتزجت البساطة بالترف، وحيث كانت الموسيقى هي اللغة المشتركة لكل من يعشق الحياة. العرض ليس مجرد إحياء لفترة زمنية، بل هو تجربة حسيّة متكاملة تُعيد تشكيل ملامح بيروت كما كانت: مفعمة بالأنغام والرقص والأنوار.
ما أن تبدأ الموسيقى، حتى تشعر وكأنك عدت بالزمن إلى مسرح صغير يعج بالحيوية. الأصوات التي تتناغم مع الأوركسترا الحية تحمل معها حكايات المدينة، من الشجن الرقيق إلى الصخب المبتهج. أداء الفنانين اتسم بحرفية عالية؛ أصواتهم تتدفق بسهولة بين مقطوعات الحب والتوق التي تمس الروح، إلى اللحظات الخفيفة التي تعكس روح الاحتفال.
الرقصات الاستعراضية في العرض ليست مجرد تكملة بصرية، بل هي جزء أساسي من النسيج السردي. بحركات مدروسة بدقة، استطاع الراقصون إعادة رسم مشاهد الكاباريهات البيروتية بصدقٍ مذهل. كل خطوة وحركة تحمل دقة وتعبيراً ينسج مع الموسيقى لوحة فنية متكاملة. المشهد الذي ضج بالحياة كان ذلك الذي يملأ الخشبة بالراقصين، تتناغم فيه الإضاءة مع الأزياء والأداء ليخلق إحساساً بالاندماج التام في قلب تلك الليالي البيروتية الصاخبة.
لكن العرض، رغم بهجته الظاهرة، يحمل في طياته لحظات مؤلمة. في إحدى الذروات الدرامية، وبينما يستمر الصخب الاحتفالي على المسرح، يُغلق البار فجأة بسبب اندلاع الحرب.
تتغير الإضاءة لتصبح أكثر قتامة، ويتردد في الخلفية صوت إطلاق النار، في مشهدية مذهلة تجسد التحول العنيف الذي اجتاح المدينة. الانتقال من الأجواء الاحتفالية إلى مشهد الحرب كان صادماً، لكنه نجح في إبراز الانكسار الذي عصف بحياة بيروت، وأظهر كيف توقفت عقارب الزمن في لحظة واحدة، لتطغى الفوضى على الأمل.
الأزياء والإضاءة شكّلت جزءاً لا يتجزأ من الهوية البصرية للعرض. التصاميم كانت انعكاساً أميناً للحقبة التي يعيد “بار فاروق” استحضارها، حيث استُخدمت ألوان وأنماط مستوحاة من أناقة الزمن الجميل. الإضاءة، بتدرجاتها المدروسة، أضافت بعداً درامياً جعل كل مشهد ينبض بروحه الخاصة، خاصة في اللحظات التي عكست صخب الحياة وتناقضاتها.
على الرغم من أن العرض احتفى بالحنين، إلا أنه لم يسقط في فخ الاستعراض المجرد. كان هناك وعي واضح لدى القائمين عليه بأن الهدف ليس فقط إعادة إحياء الماضي، بل تقديمه بروح معاصرة تجعل منه تجربة ممتعة وملهمة لجمهور اليوم.
تسع سنوات و’بار فاروق’ لا زال مُستمرّاً ، هو ليس مجرد عرض مسرحي أو غنائي، بل هو رحلة حسّية تلتقط جوهر بيروت في أوجها. إنه احتفال بالحياة، بالفرح، وبذلك الفن الذي يجمع بين الأصالة والابتكار. عند انتهاء العرض، لا يغادرك الإحساس بأنك عشت ليلة بيروتية حقيقية، مليئة بالسحر والجمال الذي لا يبهت، لكنها تحمل أيضاً ندوب مدينة اختبرت الفرح والحرب في آنٍ معاً.
العرض إنتاج مترو المدينة