“اللي شبكنا يخلّصنا”: رحلة حُرّة بين أغلال الذات وأحلام التحرّر

زلفا عسّاف
في عالم يتداخل فيه الحلم بالواقع، يعود الفن إلى منابعه الأصلية ليواجه أسئلة الإنسان الوجودية بجرأة غير تقليديّة.
زينة دكاش، المخرجة التي طالما ارتبط اسمها بالإبداع المسرحي الذي يتجاوز حدود القوالب الجاهزة، تُقدّم لنا في مسرحيتها الأخيرة “اللي شبكنا يخلّصنا”، عملًا يرفض أن يكون مجرد عرض مسرحي، بل هو دعوة لرحلة معقدة في عمق الروح والمجتمع.
المسرحية، التي تُعرض على خشبة مسرح المونو في بيروت حتى 23 شباط، تنقلنا إلى عوالم مجهولة، حيث تلتقي الذات بالآخر، ويصطدم الماضي بالحاضر في سياق مجتمع لا يزال يعاني من تداعيات الحروب والأزمات.
تتجسد مسرحية “اللي شبكنا يخلّصنا” من خلال تجربة زينة دكاش الشخصية، وهي التي قرّرت، منذ أكثر من عقد من الزمان، أن تقبع في سجون لبنان، ليس كغريبة عن النظام القضائي، بل كمُعالجة نفسية وفنيّة لأشخاص سجناء في ماضيهم وحاضرهم. العمل هنا ليس مجرد قصة عن السجن، بل هو إعادة تعريف للمفهوم ذاته، حيث السجون لم تعد مجرد أسوار حديدية، بل هي مفاهيم اجتماعية وثقافية تصطف لتشكل قيدًا أكثر تعقيدًا: سجن الهوية، سجن الغربة، وسجن المجتمع.
بينما تُقدّم دكاش قصة جوزيف جول، السجين السابق الذي عاش داخل جدران السجن لأكثر من 30 عامًا، فإنها في الوقت ذاته تروي قصة سجنها الشخصي، حيث تجد نفسها عالقة في مفترق طرق: هل هي منقذة أم ضحية؟ هل هي سجّانة أم سجينة؟ لكن السؤال الأكثر أهمية يظل: كيف نواجه الغربة التي نشعر بها، ليس فقط من الخارج، بل من داخلنا؟
التحرّر من خلال التفاعل: الكوميديا والفلسفة المتشابكة
في قلب هذا العرض العاطفي المعقد، يظهر الكوميدي سام غزال ليمزج الضوء بالظل، ويخلق توازنًا فنيًا يعكس التوترات بين السخرية والجدّية. بلمساته الكوميدية وتقديمه لفرص للضحك وسط الفوضى، لا يخفف غزال من عمق الأسئلة المطروحة فحسب، بل يفتح أفقًا جديدًا للتأمل. الكوميديا هنا ليست فقط أداة للتسلية، بل هي طريقة للغوص أعمق في الألم الإنساني، لتحرير المشاهد من العبء العاطفي الثقيل دون أن يغادره الشعور بالجدّية.
وبينما يستعرض جول تجربته العميقة داخل السجن، يظهر الحضور الخاص لكل من سينتيا كرم وماغي فرح عبر الفيديو ليضيف بُعدًا غريبًا للمسرحية. هذه الإطلالات، رغم كونها عبر الشاشة، تأخذ المشاهد إلى منطقة رمزية أعمق حيث تصبح الصور أكثر من مجرد وجوه شهيرة: إنهن تمثلن لنا وجوه العالم الذي ينكسر ويسعى لإعادة بناء نفسه من خلال التأمل في الماضي والبحث عن المستقبل.
في جوهر المسرحية، تطرح زينة دكاش تساؤلات لا يسهل الإجابة عنها. هل من الممكن أن نتحرّر من الماضي؟ وهل نحن قادرون على شق طريقنا وسط هذا الصخب الاجتماعي الذي يحيط بنا؟ ومن خلال هذا العمل، تؤكد دكاش على أن الحلّ لا يكمن في الهروب، بل في المواجهة. المواجهة مع ماضينا، مع مجتمعاتنا، ومع أنفسنا.
“اللي شبكنا يخلّصنا” ليس مجرد مسرحيّة عن السجن، بل هو تأمل فلسفي في حقيقة الأسرى الذين قد نكونهم في عقولنا، في مفاهيمنا عن الحياة، في أحلامنا التي قتلناها بحثًا عن واقع لا يتوقف عن العصف بنا. وهذه هي قوة المسرحية: فهي لا تقدّم فقط علاجًا نفسيًا للأفراد، بل دعوة جماعية للبحث عن خلاص من هذا السجن الأوسع الذي نسجناه حول أنفسنا.
من خلال هذه التجربة المسرحية، لا تقدّم زينة دكاش مجرّد عرض أو قصة، بل تخلق نفقًا ضيقًا وموحشًا يصعب تجاوزه، لكنه في النهاية يفتح أبوابًا نحو الهروب؛ هروب ليس إلى الخارج، بل إلى الداخل. إذا كانت المسرحية علاجًا، فإن دكاش تقدّم لنا علاجًا جماعيًا، من خلال قدرتها الفائقة على التفاعل مع الجمهور، وتقديم رؤية تلامس قلوب الحضور، وتدفعهم للغوص في أعماق الذات والمجتمع.
“اللي شبكنا يخلّصنا” هي أكثر من مجرّد مسرحية: إنها تجربة جادة في البحث عن الأمل في عالم يتخبط بين الارتباك والتحرّر.