حنجرة الخلود جاهدة وهبة تحيي أيقونات الغناء العربي

زلفا عسّاف
في ليلة ساحرة في كازينو لبنان، امتزج رونق الأصالة مع نبض الموسيقى،فعاش الحضور تجربة فنيّة لا تتكرّر.
بصوتها العميق الذي يحمل الشجن والجمال، وقفت جاهدة لتكرّم أيقونات الغناء العربي في أمسية استثنائية.
لم يكن الحفل مجرد استعادة لأغنيات الزمن الجميل، بل كان بعثًا جديدًا لها، تكريمًا للذكرى الخمسين لرحيل أم كلثوم واحتفاءً بالمرأة في يومها العالمي.
بلقبها الذي يليق بحضورها الآسر، “كاهنة المسرح” و”ديفا الشرق”، اعتلت جاهدة الخشبة بثقة، تنسج من صوتها ألوانًا من العاطفة والتعبير المسرحي الأخّاذ.
على مدى ساعة ونصف، امتزجت الموسيقى بالشعر، فألقت قصيدة “الأرز” لناديا تويني، واستحضرت كلمات أحلام مستغانمي، مانحة للأداء بعدًا يتجاوز الغناء، وكأنها ترسم بالكلمات لوحات موسيقية حية.
لكن اللحظة الأبرز كانت عندما بدأ صوتها يملأ القاعة.
لم تكن “أنت عمري” مجرد أداء كلاسيكي، بل روح جديدة تنبض داخل اللحن، تأخذ المستمعين في رحلة بين النغم والذكرى.
ومع “سألوني الناس” لفيروز، غاصت في بحر الشوق، حيث كان الحنين واضحًا في أعين الجمهور قبل أن تلتقطه آذانهم.
تحية خاصة للصبوحة قدمتها بأغنية “عالضيعة يما عالضيعة”، وكأنها تعيد الزمن إلى بساطته ونقائه. ثم جاء دور “في يوم وليلة” لوردة، التي قدمتها بإحساس متصاعد، حيث امتزجت العاطفة المتقدة بالرقي الفني الذي لطالما ميزها.
وفي لحظة روحانية خالصة، خيّم الصمت عندما أدت “ما طلبت من الله”، أغنيتها الخاصة التي بدت كأنها مناجاة في ليلة قدر استثنائية. هنا لم يكن الغناء مجرد صوت، بل دعاء يتأرجح بين الأرض والسماء، بين الفن والإيمان، بين الموسيقى والخلود.
ومع اقتراب النهاية، جاء مسك الختام بأحد أعظم ما غنّت أم كلثوم: “الأطلال”. وكأن جاهدة وهبة قرّرت أن تُغلق الحفل كما يُختتم الجمال الحقيقي، بصوت يلتقط صدى الزمن ويمنحه حياة أخرى. تمازجت النغمات مع ذهول الحضور، ليظل الصمت بعدها محمّلًا بالتأمل.
لم تكن أمسية عادية، اختتمت بتكريم جاهدة، بل درسٌ في كيف يُعاد إحياء الروائع دون أن تفقد سحرها.
ولم تكن جاهدة مجرد مغنية، بل روح تتجسد في كل أغنية، بحضور مسرحي أخّاذ وتفاعل جعلها أقرب إلى الجمهور.
جاهدة وهبة لم تكرّم أيقونات الأغنية العربيّة فحسب، بل أثبتت أنها جزء من هذا الخلود.
الصور بعدستي:
ساسين دكاش، غسان عفلق