جو قديح في توثيق الذاكرة المسرحيّة “Les Quatre Raisons” يتحدّى فكرة الفناء المسرحي ليبقى قابلاً لإعادة الاكتشاف

زلفا عسّاف

في عالم المسرح، تظلّ النصوص المسرحيّة بمثابة الشاهد الحيّ على تطوّر التجربة الإبداعيّة، فهي ليست مجرد حروف تُسطّر على الورق، بل حياة متجدّدة تُعيد تشكيل نفسها عبر العروض المتلاحقة. في هذا السياق، يأتي كتاب “Les Quatre Raisons” للمسرحي  جو قديح، الصادر باللغة الفرنسيّة عن دار سائر المشرق، ليشكّل خطوة بارزة في توثيق التجربة المسرحيّة، حيث يضم بين دفتيه نصوص أربع مسرحيّات محوريّة من أعماله: “ع اليمين” (1998)، “التخت” (2000)، “البانيو” (2006)، و”Anna O” (2023).

الذاكرة في مواجهة العبور الزمني

ما يميّز هذا الإصدار أنه لا يكتفي بجمع نصوص مسرحيّات قدّمها قديح عبر أكثر من عقدين، بل يسعى إلى إعادة تقديمها في سياق مختلف، محاولًا بذلك الحفاظ على روح المسرح الحيّ ضمن إطار مقروء. المسرحيّات المُختارة تعكس تطورًا في أسلوب الكاتب، حيث تتنقل بين مواضيع اجتماعيّة وسياسيّة ونفسيّة، لكّنها تظلّ مُتّسقة في هويتها .

“ع اليمين” (1998): تتناول قصة رجل معتقل يعود إلى منزله ليجد الأنقاض بدلًا من عائلته، فيلجأ إلى عالم الأوهام، ويحلم بمثال مفقود من نسج الخيال.​
“التخت” (2000): تروي قصة زوجين يواجهان مصيرهما على سرير، حيث يتحوّل الغرام إلى حلبة ملاكمة.​
“البانيو” (2006): تُعتبر كسرًا للقواعد التقليديّة، متحرّرة من القيود الكلاسيكيّة في السرد المسرحي.​

“Anna O” (2023): تُعد الأكثر نضجًا من حيث المضمون والبناء الدرامي، مُستوحاة من دراسات التحليل النفسي لسيغموند فرويد، مما يمنحها طابعًا نفسيًّا تحليليًّا يُعمّق أبعاد المسرحيّة.​


إحدى أبرز الإضافات في هذا الإصدار أن قديح لم يقتصر على نشر النصوص كما كُتبت أول مرّة، بل قام بترجمتها إلى الفرنسيّة، ما يفتح أمامها أفقًا أوسع للتلقي في سياقات ثقافيّة جديدة. لكن هذه الترجمة ليست مجرّد نقل لغوي، بل هي عمليّة إعادة تأويل للنصوص ضمن بنية محدّدة، إذ يحرص الكاتب على الحفاظ على روح العمل، مع منح النصوص حياةً جديدة قادرة على التواصل مع جمهور مختلف.
التحدّي في هذا النوع من الترجمة المسرحيّة يكمن في نقل الإيقاع اللغوي والمفارقات الثقافيّة دون أن تفقد النصوص أصالتها أو طاقتها الدراميّة. ومن هنا، فإن تجربة تحويل هذه المسرحيّات من العربيّة إلى الفرنسيّة تُثير أسئلة جوهريّة حول كيفيّة تفاعل الجمهور غير الناطق بالعربيّة مع هذه العوالم المسرحيّة.

المسرح كذاكرة حية

بإصداره “Les Quatre Raisons”، لا يسعى قديح فقط إلى توثيق أعماله، بل يطرح تساؤلًا أعمق حول علاقة النص المسرحي بالزمن. فالمسرح، كفنٍ حيّ، يكسب كل عرض جديد للنص أبعادًا مختلفة حسب الزمان والمكان والجمهور.
هذه المسرحيّات الأربع، رغم أنها وُلدت في أزمنة مختلفة، تجد نفسها اليوم مجتمعة في كتاب واحد، وكأنها تتحدّى فكرة الفناء المسرحي، لتبقى حاضرة وقابلة لإعادة الاكتشاف عبر القرّاء والمخرجين والممثلين الجدد.

إن أهمية هذا الإصدار لا تكمن فقط في كونه يجمع نصوصًا مسرحيّة، بل في كونه يؤسس لممارسة توثيقيّة في المسرح، حيث نادرًا ما يُقدِم الكتّاب المسرحيون على إعادة نشر نصوصهم ضمن مشروع توثيقي متكامل. وبينما يُنتظر أن تصدر هذه النصوص بلغتها الأصلية لاحقًا، فإن نشرها بالفرنسيّة أولًا يشير إلى رغبة قديح في توسيع نطاق تأثيره المسرحي خارج الحدود التقليديّة، وربما أيضًا إلى إعادة قراءة أعماله من زاوية مختلفة.

مسرح يكتب تاريخه بنفسه

من خلال “Les Quatre Raisons”، يكرّس جو قديح أهمية الكتابة المسرحيّة كفعل مقاومة ضد النسيان، وكجسر يصل بين الأجيال المختلفة من الفنانين والجمهور. هذا الكتاب ليس مجرّد أرشيف لمسرحيّات قديمة، بل هو دعوة لإعادة اكتشافها، وإعادة تمثيلها، وإعادة تأويلها، في كل مرّة تُفتح فيها صفحاته من جديد.