خيال صحرا: وجع الحرب في الذاكرة والإنسانية

زلفا عساف

الخشبة تتسع لكل شيء: للألم المكبوت، للذاكرة المتراكمة، ولحظة التلاقي النادرة بين المقاتلين. لا وجود للحرب كدمار خارجي هنا، بل ككيان حي ينسج نفسه بين الكلمات والصمت والحركة. كل خطوة، كل نظرة تحمل ثقل الماضي، وتدعوك لتلمس الحقيقة الإنسانية خلف الانتماءات والصراعات.

‘خيال صحرا’ ليست مسرحية عن الحرب كحقيقة عابرة، إنها حالة وجودية، مساحة توقف أمام خطوط التماس، حيث يلتقي المقاتلان على لحظة هدنة، ويتحادثان بصوت الإنسانية قبل الانتماء الطائفي أو المرجعي.

كل منهما يحمل صراعًا داخليًا، ووجدانًا متأرجحًا بين الألم والأمل. جورج خبّاز وعادل كرم لا يقدمان أدوارًا فحسب، بل يحملان تجارب مجتمع بأكمله، ويعيدان تشكيلها على الخشبة بطريقة تسمح للجمهور بأن يشعر بكل طبقات الصراع. الحوار ليس مجرد كلمات، بل رحلة في الذاكرة الجماعية، حيث تتشابك الفكاهة مع الألم، الرمزية مع الواقعية، الفردي مع الجماعي. يظهر الصراع ليس كعداء، بل كتوتر متعدد الطبقات بين الذات والآخر. في كل حركة، كل نظرة، وكل صمت، يُعيد المشاهد اكتشاف الإنسان خلف الجدار الرمزي للحرب.

النص لا يقدم إجابات جاهزة، بل يخلق فضاءً لتحليل الذات والمجتمع، يطرح أسئلة عن الحرب، الصراع، التعاطف، واللقاء الإنساني. كل جملة، كل وقفة صمت، كل تفاعل بين الشخصيتين، يعيد تشكيل الوعي الجماعي والذاكرة التراكمية للمجتمع اللبناني، ويجعل الجمهور شريكًا في تجربة التفكير والتحليل، لا متلقٍّ سلبي.

الهدنة ليست توقفًا عن القتال، بل مساحة لتأمل الذات واكتشاف الآخر، لحظة يكشف فيها كل شخص عن إنسانيته. الجمهور يختبر التوتر بين الماضي والحاضر، بين ما خسره المجتمع وما زال يبحث عنه من فهم وانتماء.

الإيقاع الدرامي في المسرحية مُحكم، حيث تتوازن لحظات الصمت مع تصاعد الحوار، وتتناغم التحركات الجسدية مع اللغة الصوتية والموسيقى. كل خطوة، كل ميل، وكل تغيير في مستوى الصوت يُسهم في إعادة تشكيل إدراك الزمن المسرحي. الجمهور يشعر بأن كل لحظة على الخشبة تحاكي تدفق الحياة الواقعية: انتظار، مواجهة، هدوء، وتصعيد. هذه الدقة تجعل الزمن المسرحي أداة تحليلية للفكر والمشاعر، وليست مجرد إطار للأحداث.

الضحك يتسلل بين الألم، ليس هروبًا، بل وسيلة لاستكشاف ازدواجية الإنسان: قدرته على إدراك الذات والآخر، على البحث عن معنى وسط الخراب. كل مشهد يحفر في المشاهد إحساسًا بأن الحرب ليست مجرد حدث خارجي، بل حالة وجدانية تتخلل العلاقات، والذاكرة، والوجدان الجماعي.

‘خيال صحرا ‘تخدّر وجع الحرب، لكنها توقظ الذاكرة الجماعية، وتعيد ترتيب فهمنا للعلاقات الإنسانية والانتماء، وتطرح أسئلة عن القدرة على التعاطف واللقاء في زمن التوتر.

المسرح هنا لا يقرأ العرض فحسب، بل يجعلك شريكًا في تجربة إنسانية متكاملة، حيث تصبح الحرب حالة نفسية قبل أن تكون حدثًا موضوعيًا

لغة مسرحية متكاملة، تحاكي التحليل والنقد والتجربة الفنية في آن واحد، صاغها المبدع جورج خباز كتابة وإخراجاً ولحناً وتمثيلاً الى جانب الرائع عادل كرم، والمسرحية من إنتاج طارق كرم.

Scroll to Top