زلفا عساف
حين يرفع الستار على مسرح دوار الشمس في إعادة تقديم مسرحية “وسكتت عن الكلام المباح” لعصام أبو خالد، يجد المشاهد نفسه أمام تجربة مسرحية غير اعتيادية: عرض يطرح قضية مألوفة، العنف الأسري ضد المرأة، لكنه يعيد صياغتها بلغة مسرحية مبتكرة، تفكك الكلام، وتستثمر الصمت، وتوظف السخرية السوداء كأداة تفكيك أخلاقي ولغوي.

عصام أبو خالد، الذي يجمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل، يصنع شخصية رجل يتحدث كثيرًا، لكن كلامه ليس مجرد سرد؛ إنه آلة لإعادة صياغة الواقع على مقاسه. يتلاعب بالمفاهيم، يبرر الأفعال، يصوغ القسوة بأسلوب لغوي يبدو شاعرًا أو لطيفًا، بينما هو في جوهره محاولة لإخفاء العنف تحت ستار الكلام. هذا المخرج الذكي يعيد للمشاهد إدراك أن الخطاب نفسه قد يكون أداة للسيطرة، وأن اللغة يمكن أن تُصبح قفازًا حريريًا يخفي قبضتها الحديدية.
في المقابل، تبرز برناديت حديب، زوجة الشخصية الرئيسية، كقوة عكسية صامتة. طوال المسرحية، تمتد لحظات صمتها لتصبح مركز الجاذبية الحقيقي؛ فالعينان، والإيماءات الصغيرة، وحركة الجسد تحكي أكثر مما يمكن للكلمات أن ترويه. الصمت هنا ليس فراغًا، بل مساحة من التعبير المكثف، حيث تتحدث التفاصيل الصغيرة عما يُصادر من صوت المرأة، ويكشف عن الواقع الاجتماعي الذي يطمس حكايتها اليومية.
المسرحية لا تكتفي بتقديم العنف كفعل ملموس، بل تستعرض آلياته الفكرية والاجتماعية؛ كيف يبرر المجتمع القسوة، وكيف يتلاعب المنطق ليصوغ “الضرر المقبول” و”الضرر غير المقبول”. الطبيب الشرعي، والمعالج بالموسيقى، ومساعد الطبيب الشرعي، كلهم يمثلون محاولات متعددة للتدخل أو التخفيف، لكنها تصطدم بصوت العنف العالي الذي يفرض نفسه، وبالنهاية، صمت المرأة يظل أقوى من كل خطاب رسمي أو تدخل حسن النية.
أحد أبرز نجاحات العرض هو استخدام السخرية السوداء: يضحك المشاهد، ثم يتراجع أمام حقيقة الفعل، أمام القسوة المبررة، أمام كلمات تُغسل بها الدماء. هذه السخرية لا تلهو، بل تكشف، تفكك الخطاب، وتضع المشاهد أمام مسؤولية التأمل في الثقافة الاجتماعية التي تجعل العنف ممكنًا، مقبولاً، أو قابلاً للهضم فقط إذا صيغ بشكل محدد.

“وسكتت عن الكلام المباح” ليست مجرد عرض عن العنف ضد المرأة، بل درس في اللغة والسلطة والصمت. هي دعوة للمشاهد للتفكير في اللحظات التي استسلم فيها لصوت أعلى، التي صفق فيها للحكاية لأن“وسكتت عن الكلام المباح”: مسرحية تكشف لغة العنف وصمت المرأة من يتحدث كان الأكثر قوة، بينما كانت الحقيقة الصامتة وراء الأ ضواء أكثر تأثيرًا وإيحاءً. المسرحية تقدم تجربة متكاملة للفك والتأمل، حيث يصبح الصمت، والنبرة، والحركة أدوات مسرحية تكشف ما لا يمكن للكلمات وحدها أن ترويه.

