هل تملك الكلمة ضميرًا؟

ليندا حمورة

الكلمةُ كائنٌ حيّ، تنبض في الفم قبل أن تولد على الورق، وتمشي بين الناس كأن لها أقدامًا خفيّة. لو أدرك الإنسان ما تفعله الكلمة حين تغادره، لارتجفت شفتاه قبل أن ينطق، ولأمسك قلمه كما يُمسك جمرةً لا ورقة.نحن لا نعيش في زمن الكلام العابر، نحن في عصرٍ تُباع فيه المفردات كما تُباع السلع، وتُوزن فيه الآراء بميزان العملات. صار بعض “التحليل” حرفةً لا رسالة، وموسمًا لا موقفًا، وصفقةً لا ضميرًا. وهكذا تحوّلت منابر الفكر عند البعض إلى مختبرات ضجيج، تُنتَج فيها أصواتٌ معلبة، ممهورة بتاريخ الصلاحية، صالحة للاستهلاك الإعلامي، فاسدة إن عُرضت على ميزان الحقيقة.
الكلمة التي كانت يومًا نورًا يهدي، صارت عند هؤلاء أداة إثارة، تُحرَّك كما تُحرَّك قطع الشطرنج فوق رقعة المصالح. يخلطون الوقائع بالتوقعات، ويُطعّمون الخبر بالانفعال، ويُلبسون الرأي ثوب اليقين. فتخرج الكلمات مريضة، محمّلة بشوائب الخوف والتحريض، كأنها تقارير مختبرٍ يكشف التهابًا في وعي الناس، وحصًى في ضمائر المتكلمين، وآثار نزفٍ في جسد الحقيقة.
التاريخ لم يكن يومًا بريئًا من الكلمة. خطاب واحد أشعل حروبًا، ونداء واحد أيقظ أممًا. كلمة “الحرية” كانت شرارة ثورات، وكلمة “التطهير” كانت سوط مذابح. بين فمٍ قال “اقرأ” فبدأ عصر نور، وألسنةٍ قالت ما زيّف الوعي فدخلت أممٌ في عصور ظلام، يتجلّى الفرق بين الكلمة التي تُبنى بها الحياة، وتلك التي يُحفر بها القبر.
ليست المشكلة في الرأي، فالاختلاف سنّة العقول الحيّة، إنما الخطر في الكلمة حين تُفصل عن الضمير، وحين تُستخدم لإشعال النفوس لا لإنارتها. القارئ ليس حقل تجارب، والمستمع ليس ساحة رماية، والمجتمع ليس مسرحًا لعروض لغوية مدفوعة الثمن. كل كلمة تُلقى في الفضاء العام تشبه حجرًا يُرمى في بحيرة، دوائره تتسع، وقد تصل إلى شاطئ لم يقصده الرامي.
أصحاب الكلمة ليسوا مجرد ناقلي أحداث، هم حرّاس الوعي، أو خرّابوه. مسؤوليتهم أثقل من حبرٍ يُسكب، فهي تمتد إلى قلوبٍ قد تخاف، وعقولٍ قد تضل، ونفوسٍ قد تُدفع نحو كراهية لم تكن تعرفها. الأجر الذي يُقبض ينتهي أثره عند حدود الجيب، والكلمة التي تُطلق يبدأ أثرها عند حدود الروح، ثم تمضي أبعد مما يتخيل صاحبها.
لهذا، حين نكتب، نحن لا نصف الواقع فقط، نحن نشارك في تشكيله. الكلمة إمّا أن تكون جسرًا يعبر عليه الناس نحو فهمٍ أعمق، أو نارًا تمتد في هشيم التوتر. وفي زمن الضجيج، تصبح الكلمة الصادقة فعل مقاومة، ويغدو الصمت أحيانًا أشرف من خطابٍ يلمع سطحه ويعتم جوهره…

Scroll to Top