زلفا عسّاف
ليس من السهل على ممثل بحجم تيم حسن أن يغامر بصورته. النجم الذي اعتاد أن يدخل إلى المشهد محمّلًا بكاريزما جاهزة، يختار في “مولانا” أن يخلع درعه. لا يقدّم بطلاً خارقًا ولا رجلًا واثقًا يعرف كيف يدير اللعبة، بل شخصية مأزومة تتعلم كيف تتنفس داخل حياة ليست حياتها.
في الحلقات التي عُرضت حتى الآن، يبدو واضحًا أن الرهان الأساسي في العمل ليس على الحبكة بقدر ما هو على أداء الممثل. جابر شخصية يمكن أن تسقط بسهولة في الميلودراما أو في الاستعراض، لكن حسن يتعامل معها بعكس المتوقع: يخفض نبرة صوته، يبطئ حركته، ويترك مساحات صمت أطول من المعتاد. هذا الصمت هو المساحة التي تتكلم فيها الشخصية فعلًا.
أهم ما يفعله تيم حسن هنا أنه لا يحاول أن يبدو أكبر من الشخصية. لا يعتمد على حضور طاغٍ يبتلع المشهد، بل ينسحب قليلًا كي يترك الهشاشة تظهر. في أكثر من مشهد، نراه مترددًا، مرتبكًا، يتلعثم أحيانًا، كأنه يخشى أن تخونه التفاصيل الصغيرة. هذه الاختيارات ليست عفوية، بل تعكس وعيًا بأن قوة الدور تكمن في ضعفه.
جابر ليس بطلًا يُصفَّق له، بل رجل يتورط أكثر مما يخطط. كل خطوة يخطوها داخل الهوية الجديدة تزيد ثقله النفسي. وهنا ينجح حسن في نقل شعور مزدوج: طموح خفي للنجاة، وخوف دائم من السقوط. هذا التناقض هو المحرك الحقيقي لأدائه.

ما يلفت في أدائه أنه لا يلجأ إلى الانفجارات العاطفية المتكررة. التوتر عنده داخلي، يتسلل عبر نظرة جانبية أو توقف مفاجئ في منتصف جملة. حتى في اللحظات التي كان يمكن أن تتحول إلى مشاهد صراخ تقليدية، يختار الاحتفاظ بالانفعال في حدوده الدنيا. هذه الاستراتيجية تجعل المشاهد شريكًا في قراءة ما لا يُقال.
في بعض الحلقات، نشعر أن الكاميرا تقترب منه أكثر مما ينبغي، وكأن العمل نفسه يراهن على قدرته على ملء الإطار بتفصيل بسيط. وهنا يظهر الفارق بين نجم يعتمد على حضوره، وممثل يعرف كيف يوظف حضوره لخدمة الشخصية.
اختيار دور يقوم على انتحال هوية رجل ذي مكانة روحية ليس خيارًا سهلًا، لا دراميًا ولا جماهيريًا. لكنه يمنح تيم حسن مساحة نادرة: أن يلعب على حافة الانكشاف طوال الوقت. الشخصية تعيش قلقًا مستمرًا، وهذا القلق ينتقل إلى أدائه الجسدي؛ في طريقته في الجلوس، في حركة يديه، في نظراته التي تبحث عن تأكيد من الآخرين قبل أن تثبت في مكانها.
حتى الآن، يمكن القول إن حسن يخوض واحدة من أكثر تجاربه تمردًا على صورته السابقة. لا يقدم نسخة معدّلة من أدواره الماضية، بل يحاول إعادة تعريف حضوره. النجاح هنا لا يُقاس بعدد المشاهد القوية، بل بقدرته على إقناعنا بأن جابر إنسان عادي وجد نفسه داخل دور يفوقه.
“مولانا” لا يُختصر في اسم بطله، لكن لا يمكن إنكار أن ثقله الأساسي قائم على كتفيه. ما نشاهده في الحلقات الأولى هو ممثل يختبر حدوده، ويغامر بتخفيف بريقه لصالح تعقيد الشخصية. السؤال ليس إن كان سينجح جماهيريًا، بل إن كان سيستمر في تعميق هذا المسار دون العودة إلى منطقة الأمان.
حتى الآن، تيم حسن لا يبحث عن تصفيق سريع. يبحث عن مساحة جديدة لنفسه كممثل. وهذه، بحد ذاتها، مغامرة تستحق المتابعة.


