زلفا عسّاف
في فضاء مسرحي يمزج ببراعة بين الواقعية المفرطة والوجع اللبناني الملموس، تأتي مسرحية “Mensonge Blanc” للكاتب ألكسندر نجار برؤية إخراجية ل لينا أبيض، لتقدم مرآة مشروخة لجيل السبعينيات الذي وجد نفسه فجأة يتأرجح بين مثالية الانتماء الوطني وغريزة التشبث بالحياة.
تنطلق المسرحية من مفارقة وجودية بطلها “جينو” (انطوني توما)، ذلك الطالب الشاب المتيم بالموسيقى والغناء الذي يرفض الانصياع لرغبة والده في السفر لإكمال دراسته في “glasgow” باسكتلندا هرباً من أهوال الحرب، ليختار بدلاً من ذلك الانخراط في جبهة “السوديكو” المشتعلة، محولاً سفره المتخيّل إلى كذبة بيضاء يغلّف بها واقعه المرير أمام عائلته.
هذه الازدواجية الجغرافيّة والنفسيّة التي صاغها نجار ليست مجرّد حيلة درامية عابرة، بل هي استعارة عميقة لجيل كامل حاول تجميل قسوة الواقع بالخداع المبرّر، حيث تتدفق الأحداث بأسلوب الكوميديا السوداء التي تجعل المشاهد يضحك بمرارة على مفارقة القدر، وهو يرى “جينو” يوهم والديه بأنه يدرس في أروقة أوروبا بينما هو في الحقيقة يعزف ببارود بندقيته على خطوط التماس.
ويتجلى هذا التمزق بصرياً في السينوغرافيا المتقنة التي صممها رالف خوري، حيث الجدران المثقوبة بالرصاص تعكس حالة الحصار النفسي الخانق، وتتكامل مع لغة مسرحية هجينة بين العربية والفرنسية لم تأتِ كترف لغوي، بل كضرورة واقعية تعبر عن الهوية اللبنانية المتشعبة بصدق، مما سمح للحوار بأن ينساب بتلقائية مدهشة بعيداً عن أي تكلف خطابي.
ومع تصاعد وتيرة العرض، يبرز الأداء التمثيلي ليكون المحرك الأساسي لهذه المشاعر مع شخصيّة “جينو” بطاقة لافتة جمعت بين رقة الفنان واندفاع المقاتل، تحيط به مجموعة من الشخصيات الفريدة التي أضفت روحاً كاريكاتورية على مشهدية الحرب، ولا سيما مع دخول الممرضة الفرنسية التي كسرت جمود الجبهة ببعد رومانسي حالم.
إن هذا التشابك بين الحب والحرب، وبين الحلم والواقع، هو ما جعل من “كذبة بيضاء” عملاً يتجاوز مجرد سرد الذكريات ليصبح تساؤلاً مفتوحاً حول قيمة الصدق في زمن الانكسار، حيث يدرك المشاهد في نهاية المطاف أن المسرحية لم تكن مجرد حكاية عن شاب متمرد، بل كانت تحية لجيل حاول اجتراح الفرح من رحم الركام، مؤكدة على رؤية كاتبها بأن الضحك في الأوقات القاتمة هو العلاج الأسمى، ليبقى السؤال عالقاً في وجداننا بعد انطفاء الأنوار عما إذا كانت تلك الكذبة بيضاء حقاً، أم أنها كانت الستار الذي احتجب خلفه ضياع جيل بأكمله.
المسرحية من بطولة:
جوزيان بولس، مايا يمين، جو ابي عاد، انطوني توما، جوانا خلف، جاك مارون، جلال الشاعر، علي بليبل.
كتابة الكسندر نجار، إخراج لينا أبيض.





