«مولانا»: الرجل الذي أصبح صدى الآخرين

زلفا عساف

منذ بداياته، قدّم مسلسل مولانا (من إنتاج شركة الصبّاح) ، تجربة دراميّة تجاوزت الحكاية المباشرة، وغاص في التوتر بين الإنسان ودوره وما فرضه المجتمع عليه. وقعت الأحداث في قرية العدلية السورية، التي عكست مزيجًا من الهشاشة الاقتصادية والحاجات المعنوية، ووصل جابر هاربًا من ماضيه المثقل بصراعات عائلية وأحداث مأساوية، ليجد نفسه مضطرًا لتقمص شخصية سليم العادل (مولانا) المنتظر في القرية، ما بدأ كخدعة مؤقتة وتحول إلى واقع كامل، حيث لم يعد السؤال عن النجاة فقط، بل حول كيفيّة العيش داخل النسخة التي صُنعت منه، وسط ترقب دائم لانكشاف سره.

الشخصيّات الأساسيّة منحت العمل ثقلًا نفسيًا واجتماعيًا. بطل العمل كان جابر جادالله / مولانا، الذي جسّده تيم حسن، واعتمد أداؤه على التوتر الصامت والنظرات المعبّرة، ما جعله محورًا للتفاعل الجماهيري على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تداول الجمهور لقطات من الحلقات وأسلوب نطقه للكلمات، وظهرت بعض الحروف بطريقة مضحكة في الترند، ما أضفى على الشخصية بُعدًا خارج النص.
فدوره اللافت في نطق العبارات التي تحتوي الحرف المضروب (الجيم ⬅️ زال) أعطى الحركة العامة لهذا الدور وأدخل لمسات كوميديّة وإنسانيّة ضمن شخصيّته، فكانت جزءًا من نجاح دوره كدور أساسي.

وبانتحال شخصيّة مولانا، اكتسب دوره بُعدًا إضافيًا، حيث كان يُنظر إليه لدى أهل القرية إمامًا ووليًا مخلصًا، ينتظرون منه الرجاء والمواعظ، فكانت شخصيّته تتداخل أحيانًا ضمن الفرد العام بينما هو كان يعيش صراعًا داخليًا بين ماضيه الدموي ودوره الحالي.

إلى جانبه بالبطولة، ظهرت نور علي في دور شهلا العادل، شقيقة سليم الحقيقية، التي عادت لتكتشف انتحال جابر لهوية أخيها، وأصبحت نقطة تماس بين الحقيقة والقناع، خصوصًا في الحلقات الحرجة التي وضعتها أمام تحديات العائلة والسلطة، بعد ان وقعت في غرام جابر واستحالة إعلان الحقيقة.

أما فارس الحلو فقد أدى دور العقيد كفاح، ممثل السلطة الرسميّة في المنطقة، وتصاعد صراعه مع “مولانا” مع نمو شعبيته في القرية. منى واصف جسّدت شخصيّة جورية، إحدى نساء القرية المؤثرات، صوت التقاليد والمحليّة، وشاركت أيضًا في أداء تتر العمل، ما جعل حضورها الفني محوريًا. وأدت نانسي خوري شخصيّة زينة، بينما أدى علاء الزعبي دور فارس  أبو خلدون. ومع بقية طاقم العمل مثل نمر (فرزدق ديوب) وجواد (غابرييل مالكي) وجومانا (إليانا سعد) وفاتنة (قمر خلف) ورشيد (سليمان رزق)، أصبحت القرية في المسلسل شخصية قائمة بذاتها، وتفاعلاتها أثرت على مصير جابر بشكل مستمر.

وأظهرت حلقات المسلسل كيف لعبت شخصيّات القرية اليوميّة دورًا محوريًا في تشكيل مسار الأحداث، حيث أثرت على قرارات جابر وحرّكت الصراعات الداخليّة والخارجيّة.
هذا البعد العام من أبعاد المسلسل الأساسيّة، أعطى الأحداث سياقًا اجتماعيًا ونفسيًا أعمق، بحيث أن أي تحوّل في القرية أو رد فعل من أهلها، كان ينعكس مباشرة على حياة جابر وتجربته كشخصيّة رئيسيّة.

السيناريو، الذي كتبته لبنى حداد بمشاركة كفاح زيني، باسل الفاعور، ويوسف م. شرقاوي، بنى الأحداث بتدرّج ذكي، حيث حملت الحوارات ظاهرًا وباطنًا، وجاء التشويق من الصراع الداخلي بقدر ما جاء من مواجهة السلطة والمجتمع. الإخراج من سامر البرقاوي عزّز هذا التوجه البصري؛ ضيق الكادرات عكس الانقباض النفسي، واتساع المشاهد الخارجيّة أوضح حجم التحديات والسلطة المهيمنة، فيما سهّل المونتاج الانتقال بسلاسة بين الحاضر والماضي، والموسيقى ربطت الحالة المزاجية بالشخصيّات دون طغيان.

مع تقدّم الحلقات، انكشفت طبقات جديدة من الصراع، من الحلقات المبكرة التي مهدت لقبول جابر في دور مولانا، إلى الحلقات التي كشفت الصراع الداخلي لشهلا، ومواجهة العقيد كفاح، وعودة الماضي من خلال بعض الحلقات، حيث ظهرت المواجهات السياسيّة والعائليّة بوضوح، وأصبح الصراع النفسي والاجتماعي أداة بناء مشاهد مكثفة، عكست العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الدور والهوية.

في الحلقات الأخيرة، وصل العمل إلى ذروته من خلال تفكيك تدريجي لكل ما بُني سابقًا، الانكشاف لم يكن مجرّد حدث خارجي، بل كان مواجهة داخليّة لشخصيّة جابر، مع إبراز تأثير التوقعات المجتمعيّة. السؤال النهائي عن الهوية فرض نفسه: هل تمكن الإنسان من العودة إلى ذاته بعد أن عاش داخل دور مُصدّق اجتماعيًا؟ أم أن الدور أصبح جزءًا من كيانه لا يمكن فصله؟

ختاماً، تحوّل مولانا إلى تجربة متكاملة، حيث الشخصيّات والمجتمع تفاعلا بشكل مستمر، وكل فعل وكل تفاعل عكس تأثير الآخر، لتصبح نسخة جابر صدىً لما رآه الناس فيه، أكثر من انعكاسها لحقيقته.
وفي الخاتمة، ترك المسلسل أثرًا مفتوحًا للمشاهد، مختصرًا تجربة الهوية والدور دون تكرار، مؤكدًا أن أي دور يُصدق اجتماعيًا قد أعاد كتابة صاحبه بالكامل، ليصبح الرجل في النهاية صدى الآخرين، وليس مجرد حدث درامي عابر.

Scroll to Top