ليندا حمّورة
في المحترَف الإنساني، يولد المرء ولديه مَيلٌ فطريّ للانتماء، كأنّه غصنٌ يبحث عن شجرته، أو نهرٌ يطلب مصبَّه في نفسٍ أخرى. إننا نبحث في الصداقة عن مِرآةٍ مصقولة تعكس حقيقتنا بلا تشويه، وعن مَرسًى آمنٍ نلقي فيه بأثقال الروح ونحن على يقينٍ بأنّ المَرسى لن يتحرك من مكانه مع أول عاصفة.
بيدَ أنَّ التراجيديا الكبرى في فضاء العلاقات تكمن في أولئك الذين يرتدون المودة “فصولاً”؛ يُقْبلون كربيعٍ دافئ يُزهر في القلب أماناً، ثم ينكفئون كخريفٍ جافّ يذرو أوراق الطمأنينة ويترك خلفه صقيع الحيرة. هذا التقلّب الرتيب هو هزةٌ لزلزلة السكينة الداخلية. إنه يضع الكينونة في قفص الاتهام، ويقود النفس إلى متاهة المساءلة: أيّ ذنبٍ اقترفتُ؟ وأيّ هفوةٍ غيّرتْ ملامح الفجر في عيونهم؟ ليأتيك الجواب لاحقاً بفيضانٍ من القرب المفاجئ، يعيدك فيه التقلّب إلى عرش “الصديق الأول والأخير”، في دورةٍ وجودية عبثية من المد والجزر.
أمام هذا المستنقع من الودّ المتأرجح، يغدو الثباتُ موقفاً فلسفياً وأخلاقياً صامداً. إنّ النأي بالنفس عن هذه الدوامات هو “صيانةٌ للكرامة الإنسانية”. المودة التي تصبح رهينة المزاج، وتتحول إلى سلعةٍ خاضعة لطقسٍ داخلي متقلّب، تفقد جوهرها الأخلاقي. الصداقة في أبهى تجلياتها هي التزامٌ وجودي، وعقدٌ غير مكتوب ينصّ على الوفاء، والصدق، والاحترام المتبادل؛ وهي قِيَمٌ لا تقبل التجزئة ولا تحتمل التلوّن.
من هنا، يصبح “الحب عن بُعد” حكمة العقلاء. أن تحبّهم من وراء سياج المسافة العازلة، يعني أنك تمنحهم السلام، وتحتفظ لنفسك بالسلام في آنٍ واحد.
إنّ الانكفاء نحو الذات في ترفعها عن العبث بالمشاعر هو انتصارٌ للإنسانية الحقة. قد يضيق الخناق، وتَشِحّ الوجوه الصادقة في هذا الزمان، وتصبح النُّدرة هي السمة الغالبة على الأوفياء، إلا أنّ النُّدرة هنا هي مكمن العظمة والامتياز. فما نفعُ حقلٍ شاسعٍ من القشّ إذا كان يعجز عن إنباتِ سنابل قمحٍ حقيقية تثمر قوتاً للروح؟
إنّ قلةً من الأصدقاء الذين يعرفون معنى الثبات والعمق، ويملكون بذور الوفاء الصافي، تُغني عن حشودٍ يلوّنها الهوى ويحرّكها المَجاز. القليلُ من الذهب الخالص يزنُ جبالاً من الخزف، وفي جودة المعدن لا في وفرته تكمن طمأنينة الوجود ومسرة الحياة …

