في لجة الغياب والنوم العميق، حين تخلع الروح أسمال الحاضر وتستسلم لسكينة العدم المؤقت، انبعثتْ رائحةٌ لم تكن مجرد جزيئات عابرة في الهواء، إنّها كانت مفتاحًا سريًّا لزمنٍ ظنناه مضى. تسللتْ تلك الرائحةُ كخطواتٍ خفية لزائرٍ ليلِيّ، واقتحمتْ ردهات الذاكرة، لتعيث في دفاترها القديمة، وتقلّب صفحاتٍ طواها الغبار. هناك، في البقعة الأكثر دفئًا في الروح، استلقتْ الرائحة حيث كانت تجلس الجدة رحمها الله ترأس مملكتها الطينية قرب الصاج، وتمارس طقس الحنان الأكبر.
كم هو مدهشٌ هذا السرّ الوجودي! كيف لرائحة خَبزٍ أن تختزل مسافات ضوئية من السنين في لمحة عين؟ إنها “جدلية الحواس والزمن”؛ فالرائحة هي الحاسة الوحيدة التي لا تعترف ببلادة الحاضر، إنها تعبر الأخاديد العميقة للوقت لتصل إلى الطفلة القابعة فينا. كنتُ طفلةً يوقظها نداء العجين الدافئ، لا لتأكل، إنّما لتشهد تجلّي الحب في صورة رغيف. كانت حلقة الخَبز تلك بمثابة مسرح كونيّ صغير، أراقب فصوله بشغف، أنتظر الخاتمة الكبرى، الطقس السحري الذي تتوّج به الجدة صبرها: فطيرة السكر. كانت تلك الفطيرة صكّ غفرانٍ للأرق، وهديةً ثمينة تُختم بها حلقة الوفاء، وكأنها تُخبرني بأن مرارة الانتظار لا بد أن تنتهي بحلاوة مطلقة.
واليوم، في هذا الحاضر المثقل بالوجع والمحكوم بالآلية والسرعة، كم نشتاق لرغيفٍ عُجن بالصبر، ونضج على نار الطمأنينة، ورُشّت فوقه دعوات الأمهات والجدد! رغيفٍ نقتسمه مع الأمان قبل الخبز. إننا لا نشتاق للقمح، بقدر شوقنا لليد التي خبزته، وللقلب الذي اتسع لنا حين ضاقت بنا التفاصل.
لكنّ قطار الزمن محكومٌ بسهمٍ لا يرتد إلى الوراء؛ والوعي يفرض علينا أن نتصالح مع حتمية الواقع، وأن نعيش تفاصيله بروح الصابرين. غير أن هذا التصالح لا يعني الاستسلام الكامل؛ إنّه يدعونا، بين الفينة والأخرى، أن نمارس “الهروب المقدس”. أن نلوذ بالفرار خلف سياج أحلامنا، ونتسلل إلى غابات ذكرياتنا، لنستمد منها الوقود الذي يجعلنا نواجه قسوة الأيام.
إن الذاكرة تلك التي نظنّها مجرد مستودع للأمس، هي ملجأ الكائن وملاذه الأخير. وحين تضيق بنا دروب الواقع المعاصر، سيبقى ذلك الرغيف القديم، وتلك الفطيرة المغمورة بالسكر، بوصلةً سرية تذكرنا بأننا، يوماً ما، كنا نملك العالم كله… فقط لأننا كنا ننام ونستيقظ على رائحة الحب.

