زلفا عسّاف
في زمنٍ باتت فيه المنصات أعلى صوتاً من البشر، والانقسامات أسرع انتشاراً من الأغنيات، صعد ملحم زين إلى مسرح جامعة سيّدة اللويزة حاملاً شيئاً أثقل من صوته.
لم تكن الأمسية التي أُقيمت تحت عنوان «من أجل لبنان ومستقبل شبابه» وقد حضرها الطلاب والأكاديميين والأعلاميين، مجرد حفل موسيقي خيري لدعم 200 طالب عبر منح جامعية، بل مساحة التقت فيها رؤيتان على فكرة واحدة: الفن بوصفه امتداداً للتربية، والتعليم بوصفه امتداداً للأمل، حيث تداخل خطاب ملحم زين مع خطاب رئيس الجامعة الأب الدكتور بشارة الخوري في نقطة مشتركة عنوانها الإنسان ومستقبله.


خلال المؤتمر الصحافي الذي سبق الحفل، وعند سؤال خاص من الـPresses Partout، تحدث ملحم زين عن دعم الطلاب وضرورة أن يكون الفن قريباً من مستقبلهم، عبر الإسهام في منح فرص تعليمية أفضل، معتبراً أن العلاقة بين الفن والشباب ليست ترفاً بل مسؤولية ممتدة نحو الغد. وأضاف في حديثه أن رسالته موجّهة إلى جيل كامل، رسالة تختصرها فكرة بسيطة وعميقة في آن: أن ينظر الشباب إلى المستقبل بعين مختلفة، وأن يتعاملوا مع الحياة دون أن تُختزل في ثنائيات أو اصطفافات، بل في أفق أوسع يسمح بفهم أكثر إنسانية للعالم من حولهم.

ربما هنا تحديداً تكمن خصوصية ملحم زين. فالفنان الذي بنى جزءاً كبيراً من مسيرته على الأغنية اللبنانية الشعبية، بدا هذه المرة وكأنه يغنّي لفكرة أكثر من غنائه للأغنية نفسها. فكرة أن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الجدران النفسية بين أبنائه، بل إلى مساحات مشتركة تسمح لهم بأن يروا بعضهم البعض خارج القوالب الجاهزة.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يؤكد في كلمته أن الفن ليس زينة للمشهد ولا ترفاً ثقافياً، بل أداة لصياغة الوعي وترسيخ القيم. عبارة قد تبدو مألوفة للوهلة الأولى، لكنها اكتسبت معنى مختلفاً في جامعة تعج بالشباب الذين يستعدون لعبور أبواب الحياة المهنية والإنسانية.
في المقابل، التقط رئيس الجامعة الأب الدكتور بشارة الخوري الخيط نفسه، حين تحدث عن الإيمان بالشباب وبقدرتهم على صناعة غدٍ أفضل رغم كل ما يحيط بهم من أزمات. وكأن الرسالتين التقتا عند نقطة واحدة: الرهان على الإنسان قبل أي شيء آخر.
وقد كرّم رئيس الجامعة الفنّان زين بدرع يحمل معنى خاصاً .
لم يكن الحفل مجرد دعم لـ200 طالب، بل مساحة التقت فيها الموسيقى بالوعي، والفن بالأمل، في صورة واحدة للمستقبل، حيث بدا كل شيء وكأنه يلتقي عند فكرة أوسع من الحدث نفسه.
وكأن الرسالة كلها اختُصرت في لحظة واحدة: أن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع، وأن جوهره يبدأ من الإيمان بالإنسان قبل أي شيء آخر.

