صرخة البراءة في مهبّ الوجود

ليندا حمّورة

يولد الطفل كقصيدة بيضاء لم تخطّها آثام البشر، كائنٌ مقتطعٌ من السديم، يُلقى به في لجة هذا العالم دون مشورة منه، ليجد نفسه فجأة في مواجهة ضوضاء الحياة ومطباتها الوعرة. إنه الملاك الذي تتوق إليه النفوس لتغتسل ببراءته، وتحلم به الأرحام كأنه الخلاص.لكن المفارقة الصارخة، والأكثر إيلاماً في الفلسفة الإنسانية، تكمن في تلك العتبات الباردة للأديرة، وأرصفة المستشفيات المهجورة، أو حتى في حاويات القمامة حيث تُرمى أجسادٌ غضة، غضاريفها لم تقوَ بعد على حمل ثقل الوجود. كيف لـ “الأم”التي صاغتها الطبيعة والشرائع كرمز للحنان المطلق والنبع الذي لا ينضب أن تقطع حبل الوريد الروحي قبل الجسدي، وتلقي بفلذة كبدها في عراء المجهول؟إذا غصنا في عمق هذا السلوك البشري الملتوي، نجد أننا لسنا أمام مجرد “قسوة”، إنّما أمام اغتراب نفسي واجتماعي حاد. إن هؤلاء النسوة اللواتي يلدن في الظلام ويعبثن بتلك الأجساد الصغيرة، غالباً ما يكنّ ضحايا لدوامات من سحق الآدمية، حيث يتشوه الإدراك لديهن لتصبح الرغبة في التخلص من “أثر الخطيئة” أو “عبء الفقر” أعمق من صوت الغريزة.في عوالم الهامش والبيع الجسدي، لا يكون الحمل قراراً واعياً أو شوقاً للأمومة، فهو يولد كـ “عار” أو “غلطة بيولوجية” في نظر صاحبتها، فتتحول ثمرة الرحم من كائن يستحق الحياة إلى شاهد إدانة يراد محوه. تزييف الوعي بالمسؤولية: إن الإقدام على جلب روح إلى هذا العالم دون امتلاك القدرة على حمايتها، وتربيتها، ومنحها الدفء، هو الجريمة الأخلاقية الأولى. فالطفل هو كينونة روحية تتطلب رعاية تامة للوعي والعقل.إن إنجاب طفل في عالم غير مستقر دون القدرة على حمايته، يشبه إبحار سفينة ورق في خضم طوفان عاتٍ؛ إنها مخاطرة تفتقر إلى النبل الأخلاقي.”وفي النهاية، تظل تلك الأجساد الطرية الملقاة على قارعة الطريق وصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء، وليس فقط في جبين الأمهات اللواتي تخلين عنهن. إن الطفل الذي يُترك للريح والبرد يعيد صياغة السؤال الفلسفي الأكبر: هل نحن بحاجة إلى تشريعات للولادة، أم إلى إيقاظ الضمير الإنساني من سباته الشتوي؟كل طفل يُرمى في عراء هذا العالم هو دمعة تسقط من عين الوجود، وندبة صامتة في جسد الكون، تذكرنا بأننا ما زلنا نتعلم كيف نكون بشراً، وأن المسؤولية هي الأمانة الكبرى التي إذا ضاعت، انفرط عقد الإنسانية بأكمله.

Scroll to Top