زلفا عسّاف
ضمن فعاليات الاحتفال بمرور عشرين عامًا على تأسيس سينما متروبوليس في بيروت، عُرض الفيلم الوثائقي Caméra Arabe للمخرج التونسي فريد بوغدير، في أمسية تحولت فيها الشاشة إلى مساحة لاستعادة ذاكرة السينما العربية الحديثة، ليس فقط من خلال أفلامها، بل من خلال الأسئلة والهواجس والمعارك التي رافقت صناعها في بحثهم الدائم عن صوت سينمائي مستقل.
يقدّم فريد بوغدير في هذا العمل، الذي يعود إلى عام 1987، قراءة واسعة في نشأة السينما العربية الجديدة وعلاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها المنطقة. فالفيلم لا يكتفي بتوثيق مسيرة مخرجين وتجارب سينمائية، بل يرصد لحظة تاريخية كان فيها العديد من السينمائيين العرب يحاولون إعادة تعريف دور الصورة، وتحويل الكاميرا من أداة للتعبير الفني فقط إلى وسيلة للتفكير والمساءلة والشهادة.
من خلال لقاءات مع عدد من أبرز المخرجين وصناع الأفلام العرب، ومقتطفات من أعمالهم، يكشف الفيلم عن جيل حمل هواجس عصره، من قضايا الهوية والاستعمار والتحولات الاجتماعية إلى القضية الفلسطينية والحروب والصراعات التي طبعت المنطقة. كانت السينما بالنسبة إلى هؤلاء المبدعين مساحة لمواجهة الواقع، وطرح الأسئلة التي لم تكن تجد دائمًا طريقها إلى المنابر الأخرى.
ولا يتوقف Caméra Arabe عند مفهوم الرقابة بوصفها مجرد منع مباشر للأفلام، بل يذهب أبعد من ذلك، إلى دراسة المناخ السياسي والثقافي الذي عاش فيه السينمائي العربي، حيث كان عليه أن يخوض صراعًا مستمرًا بين الرغبة في قول الحقيقة والقيود التي فرضتها الأنظمة السياسية أو التقاليد الاجتماعية أو الخطابات السائدة. ومن هنا، تبدو شهادات المخرجين في الفيلم أقرب إلى اعترافات شخصية عن الخوف، والمواجهة، والإصرار على حماية حق السينما في التعبير.
يضيء بوغدير أيضًا على مرحلة ارتبطت بما عُرف بالسينما العربية الملتزمة، حيث لم يكن المخرج يرى نفسه مجرد صانع صور، بل شاهدًا على زمنه ومشاركًا في أسئلته الكبرى. فقد كانت الأفلام تحمل هموم مجتمعاتها، وتبحث عن لغة بصرية جديدة تعبّر عن الإنسان العربي بعيدًا عن الصور النمطية، لتصبح السينما فعل مقاومة ثقافية، وسعيًا إلى امتلاك الحق في رواية التاريخ والواقع من وجهة نظر أبنائه.
وتكمن أهمية الفيلم في أنه لا يتعامل مع تاريخ السينما العربية كأرشيف للأعمال فقط، بل كأرشيف للأفكار والأحلام والصراعات التي صنعت تلك الأعمال. فالمقاطع المختارة من الأفلام لا تظهر كذكريات منفصلة، بل كوثائق حية على تطور الوعي السينمائي العربي، وعلى قدرة الصورة على حفظ ما قد تعجز الكلمات عن قوله.
ويأتي عرض Caméra Arabe ضمن احتفالية متروبوليس ليكتسب دلالة خاصة، إذ يعيد طرح علاقة السينما بالمكان الذي تُعرض فيه وبالجمهور الذي يستقبلها. فبعد عشرين عامًا من تأسيسها، تواصل متروبوليس دورها كمساحة للحوار حول السينما التي تتجاوز الترفيه، وتفتح نقاشات حول الذاكرة والهوية والحرية الفنية.

وعقب العرض، أقيمت طاولة مستديرة بعنوان “موجة السينما العربية الجديدة: حكاية شغف”، أدارها المنتج أنطوان خليفة، بمشاركة المنتج المصري محمد حفظي، والمنتج اللبناني جورج شقير، والمخرجة اللبنانية إليان الراهب. وجاء النقاش امتدادًا طبيعيًا لأفكار الفيلم، حيث تناول التحولات التي شهدتها السينما العربية، والتحديات التي واجهها صناعها، من الإنتاج والتمويل إلى الرقابة والبحث عن مساحات جديدة للتعبير، وصولًا إلى الجيل الجديد الذي يواصل بناء مستقبل أكثر تنوعًا واستقلالية.

في النهاية، يذكّر Caméra Arabe بأن تاريخ السينما العربية لم يُكتب فقط بالأفلام التي وصلت إلى الشاشة، بل أيضًا بالمعارك التي خاضها أصحابها خلف الكاميرا. إنها حكاية شغف طويل بصورة أرادت أن تكون حرة، وحكاية مخرجين آمنوا بأن السينما ليست انعكاسًا للواقع فحسب، بل أداة لفهمه وتغييره وحفظ ذاكرته.

