خلف زجاج بارد.. تسكن أرواحنا المؤجلة

ليندا حمّورة

هو ليس هاتفاً جوالاً، التسمية الأدق له هي “السارق المحتال”؛ ينساب إلى جيوبنا بخفة النشالين، ويختطف منّا أثمن ما نملك: حضورنا.شاء القدر أن نعبر جسراً زمنياً بين عصرين؛ عصرٍ مضى، كان فيه الهاتف رزيناً، يقبع في زاوية المنزل فوق طاولة خشبية مطرزة، لا يملكه إلا قلة، وله رنين وقور يجمع العائلة لا ليفصمها. وعصرٍ دهمنا بغتة، تحول فيه هذا الجرم الصغير إلى غازٍ يقتحم كل الأطياف والطبقات، يفرض سطوته على الصغير والكبير، ويمارس دكتاتوريته برنينه واهتزازاته.لستُ أنكر ما يحمله هذا الاختراع الخبيث من منافع تقرّب البعيد، لكن “المصيبة تكمن في التفاصيل”؛ فبينما يقرب لنا من يسكن خلف البحار، يقصي عنّا من يجلس معنا على ذات الأريكة. يسرق منّا التفاتة الوعي، ويسلبنا متعة الالتفات إلى تفاصيل حياتنا المؤجلة.إليكم ما جرى معي بالأمس، وهي حادثة جعلتني أقف مذهولة أمام حجم التبعية التي نستعذبها:قادتني خطاي لزيارة بيت أهلي، وللمرة الأولى في تاريخي “الهاتفي”، نسيتُ جهازي في مكان ما. وحين أدركتُ غيابه، لم أنقلب على عقبي مسترجِعةً إياه، بل قررتُ أن أخوض غمار التجربة، وأن أترك السارق في مخبئه.في الساعات الأولى، اعتراني شعور غريب؛ خُيّل إليّ أني بترتُ جزءاً من جسدي، أو أني شخص ضائع يتسكع في الفراغ. تملكني العجب كيف يمكن لعقل إنسان، بفضائه اللا محدود وأفكاره الشاهقة، أن يُسجن داخل مستطيل زجاجي لا يتعدى كف اليد!لكن، ما إن خمدت ثورة “الادمان الرقمي” حتى انقشع الضباب عن عيني. نظرتُ حولي وكأني أكتشف العالم للمرة الأولى. تراكمت في رأسي فجأة تلك الأمور الصغيرة العالقة التي طالما أجلتها حجة “ضيق الوقت”.وقعت عيناي على قميص معلق في الخزانة، كان يعاتبني منذ أشهر لأنّ زراً من أزراره انفرط؛ تناولته، وبحثت عن إبرة وخيط، وفي دقائق معدودات، أعدتُ إليه وقاره المفقود. والتفتُّ نحو الشرفة، فإذا بنبتتي الصغيرة تبدو واجمة كأرملة؛ اقتربتُ منها فوجدت تربتها قاحلة تشكو الجفاء، فهرعتُ إليها بالماء، وسكبتُه في عروقها، فللّه درّها، خيّل إليّ في تلك اللحظة أنها انتعشت وابتسمت لي شاكرة!كم من الأزرار في حياتنا تحتاج إلى خياطة؟ وكم من النبتات العطشى في أرواحنا وفي بيوتنا تذبل وتجف، بينما نحن نروي بإنعاشنا البصري شاشات باردة لا تنبض؟إننا نعيش صراعاً خفياً مع هذا “المحتال” الذي يختلس أيامنا ويحولنا إلى كائنات معلبة. العيب ليس في الآلة، إنّما في استسلامنا لها؛ فقد استبدلنا دفء اللقاءات الحقيقية بوجوه تعبيرية جامدة، واستعضنا عن حكايات الأمهات بـ “تغريدات” عابرة.الجميل في النسيان أنه أعاد لي ذاكرة الأشياء؛ جعلني أدرك أن الحياة الحقيقية ليست خلف تلك الشاشة، لكنّها في التفاصيل المنسية التي تنتظر منّا لمسة حب، أو التفاتة وعي، قبل أن يسرقنا الوقت تماماً ونكتشف أننا عشنا الحياة “افتراضياً” فقط …صباحٌ يشرقُ من عمق الوعي والحضور.

Scroll to Top