ليندا حمّورة
يقف الإنسان أحياناً أمام معلّقة من التساؤلات الوجودية، أسئلة تنخر الرأس وتصدّع الكيان وتشتت الأفكار، دون أن تلوح في الأفق أجوبة تشفي غليل الحيرة. في تلك اللحظات، يميل المرء إلى الانطواء في زاوية متقوقعة، محاولاً الوصول إلى شاطئ أمان، دون جدوى. يستحيل المشهد المحيط شظايا مهشّمة، وتتحول هذه الأرض التي يُقال إنها واسعة إلى سياج ضيق يخنق الأنفاس بمرارة.
هذا الاغتراب يضعنا أمام السؤال الأزل: ما الذي نبحث عنه خلف هذا الضباب؟ وأي كينونة نُمثّلها في هذا العالم؟
إن محاولة الذات الإنسانية التحليق عالياً ليست فراراً مجرداً، إنها هروب مشروع من شياطين الأرض المتمثلة في المادية والزيف والعدمية. لكن، ما إن يبلغ المرء المدى البعيد، حتى يعيده أنين المحبين؛ أولئك الذين يبحثون عن بارقة أمل يطفئون بها نار الشؤم من رؤوسهم. هذا الارتداد نحو الأرض ليس انكساراً، إنه نداء الواجب الأخلاقي والإنساني.
يتقاطع هذا القلق الوجودي عميقاً مع أطروحات الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي يرى أن القلق هو الأداة الوحيدة التي تنتشل الإنسان من الغفلة وتواجهه بحقيقة وجوده الأصيل. فالضيق الذي نشعر به في الجغرافيا هو في حقيقته اتساع في الوعي يرفض السائد ويأبى الركود.
وفي ذات السياق، يتبدى لنا موقف ألبير كامو في فلسفته عن التمرد حين قال: “أنا أتمرد، إذن نحن موجودون”. إن العودة من التحليق لأجل الآخرين، ومحاربة نار الشؤم المحيطة بهم، هي ذروة التمرد الوجودي؛ إنها تحويل الألم الفردي إلى درع جماعي يحمي الإنسانية من السقوط في مستنقع اليأس.
الرسالة التي يجب أن يستقر عليها وعينا هي الرفض القاطع للاستسلام. الحلم مواجهة، والمقاومة خيار وجودي صلب. اليأس زهدٌ زائف، والهروب انتحار بطيء على رصيف الانتظار، وتظل هذه الحياة بكل انكساراتها وظروفها القاسية الساحة الوحيدة التي يثبت فيها الكائن جدارته بالوجود.
لتكن أسئلتنا معولاً يبني الكيان، لا فكّاً ينهش الروح. النور ينبعث حتماً من الشقوق التي يحدثها الألم في جدار الوعي. إن مواجهة ضيق الواقع برحابة الحلم هي التي تصنع من شظايا هذا العالم المهشم لوحة إنسانية عصية على المحو. سنحيا هذه الحياة، ونستخرج معناها من قلب المعاناة، رغماً عن أنف الظروف.

