ليندا حموره
كم هو جميل أن يحتفظ المرء بقيمته، وأن يعرف أن الكرامة ليست ثوباً يُخلع حين تتبدّل الموضة، ولا قناعاً نرتديه أمام الناس ثم نخلعه حين تُغلق الأبواب.
لكننا نعيش في زمنٍ غريب؛ زمنٍ لم نعد نخشى فيه أن تتعرّى أجسادنا، بقدر ما لم نعد نخشى أن تتعرّى أرواحنا.
أصبحنا نعيش في عصرٍ تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك، وما يعرض، وما ينشر، وما يثيره من ضجيج؛ حتى غدت الكرامة، في بعض المشاهد، أرخص من قطعة قماش، وأصبح الصمت عن التفاهة يُعدّ تخلفاً، فيما يُصفَّق للاستعراض وكأنه إنجاز حضاري.
وما يؤلمني ليس أن تتغير العادات، فالتغيير سنة الحياة، وإنما أن يتغير المعنى؛ أن تتحول الأشياء التي كانت تسكن في أعماق الروح إلى مناسباتٍ للاستهلاك، وأن يصبح الإنسان أسيراً لحاجةٍ مرضية إلى أن يُرى، حتى لو كان الثمن أن يفقد شيئاً من نفسه.
كان الزواج، في زمنٍ مضى، وعداً بين قلبين، وميثاقاً بين روحين، وبداية بيتٍ تُبنى جدرانه بالمحبة قبل الإسمنت، وتُضاء نوافذه بالرضا قبل الأضواء.
كانت الأفراح بسيطة، وكان الفرح عظيماً.
أما اليوم، فقد أصبح العرس، في بعض صوره، مسرحاً ضخماً تُستأجر له القاعات، وتُستنزف من أجله الجيوب، وتُطلق فيه المفرقعات كأن السماء مطالبة بأن تشهد على ثراء العروسين.
ومنذ لحظة إعلان موعد الزفاف تبدأ سلسلة الاحتفالات:
حفلات الـ Bride to Be، ثم حفلات الوداع، ثم الزفاف، ثم المفرقعات التي قد تلتهم آلاف الدولارات في دقائق، وكأن الحب لا يكتمل إلا إذا سمع به الجيران، ورأته الكاميرات، وتناقلته منصات التواصل.
ثم، إن مرّ عامٌ ولم ينكسر العهد، احتفلنا بالعام الأول.
وإن حملت المرأة، احتفلنا بالحمل.
ثم احتفلنا بجنس المولود.
ثم بالولادة.
ثم بالشهر الأول.
ثم بالشهر الثاني والثالث… حتى يكاد الطفل، قبل أن يتعلم الكلام، أن يصبح مشروعاً إعلامياً متكاملاً!
وهنا لا بد من سؤالٍ يقرع أبواب العقل:
متى أصبح الفرح بحاجة إلى كل هذا الاستهلاك كي يكون فرحاً؟
ومتى فقدنا القدرة على أن نفرح بصمت؟
متى أصبح الحب بحاجة إلى جمهور، والزواج بحاجة إلى كاميرات، والأمومة بحاجة إلى حفلات، وحتى أبسط تفاصيل حياتنا بحاجة إلى شاهدٍ إلكتروني يصفّق لنا؟
ثم تأتي الطامة التي تكشف إلى أي قاعٍ يمكن أن يصل العبث حين ينفصل الإنسان عن معنى الأشياء:
احتفالات الطلاق…
نعم… حتى الانفصال، ذلك الجرح الذي كان الناس يخفونه عن أعين الآخرين، أصبح عند البعض مناسبةً للاحتفال.
وهنا لا يسعني إلا أن أتساءل:
هل نحن أمام تطورٍ حضاري فعلاً، أم أمام حضارةٍ فقدت بوصلتها، فباتت تسير بسرعةٍ مذهلة نحو الهاوية؟
لقد قال تعالى:
(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
وقال سبحانه:
(وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ)
فحتى حين تنتهي العلاقة، يبقى للفضل مقام، وللذكريات حرمة، وللإنسان كرامة.
الطلاق ليس جريمة، وقد يكون أحياناً باباً للخلاص من علاقةٍ مؤذية، لكن تحويل الانفصال إلى مهرجانٍ للشماتة والاستعراض يكشف شيئاً أعمق من مجرد سلوكٍ اجتماعي؛ يكشف عن اختلالٍ في مفهومنا للكرامة، وعن مجتمعٍ بدأ يفقد حساسيته تجاه الألم، حتى أضحى بعض الناس يحتفلون بما كان بالأمس يُبكى عليه.
فيا ليتنا، ونحن نحتفل بكل شيء، نتذكر أن بعض الأشياء لا تحتاج إلى احتفال، وإنما تحتاج إلى حكمة.
يا ليتنا نعرف أن الزواج ليس حفلةً تنتهي بانطفاء الأضواء، وإنما مسؤولية تبدأ حين ينصرف الجميع.
وأن الطفل ليس مناسبةً للتصوير، وإنما أمانة.
وأن الحمل ليس موسماً للاستهلاك، وإنما معجزة.
وأن الطلاق ليس حفلاً لإذلال الآخر، وإنما لحظة تحتاج إلى قدرٍ من النبل يكفي لحفظ ما تبقى من إنسانيتنا.
المشكلة الحقيقية تكمن حين يصبح المظهر بديلاً عن الجوهر، وحين نستهلك المناسبة حتى نقتل معناها، وحين يصبح الإنسان مشغولاً بتوثيق حياته أكثر من عيشها.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ غريب؛ نُصوّر الطعام قبل أن نتذوقه، ونُصوّر الحب قبل أن نعيشه، ونُصوّر الحزن قبل أن نشعر به، ونُصوّر الفرح حتى ننسى أن نفرح. وكأننا لم نعد نعيش الحياة… وإنما نعيش نسختها المعروضة للآخرين.
والمفارقة الكبرى أن الحضارة التي وعدتنا بأن تجعل الإنسان أكثر حرية، جعلته في أحيانٍ كثيرة أكثر عبودية؛ عبداً للصورة، ولرأي الآخرين، ولعدد الإعجابات، ولضرورة أن يبدو سعيداً حتى عندما يكون قلبه في قاع البئر.
فما قيمة أن تملأ السماء بالمفرقعات، إذا كان البيت من الداخل مظلماً؟
وما قيمة أن تُضاء القاعات بآلاف المصابيح، إذا انطفأ نور المودة بين قلبين؟
وما قيمة أن نحتفل بكل تفاصيل حياتنا، إذا كنا قد فقدنا القدرة على احترام قدسية تلك التفاصيل؟
إن الحضارات لا تسقط دائماً بصوت المدافع.
أحياناً تسقط بصمت… حين تتآكل قيمها من الداخل.
تسقط حين يصبح القبح مألوفاً، والتفاهة مثيرةً للإعجاب، والكرامة عبئاً، والخصوصية تخلفاً، والإنسان مجرد صورةٍ قابلة للتداول.
وما أخشاه ليس أن نصل إلى زمنٍ نحتفل فيه بكل شيء…
إنما أن نصل إلى زمنٍ لا نعود فيه نعرف لماذا نحتفل. فحين تفقد الأشياء معانيها، يصبح الاحتفال نفسه نوعاً من الحداد على المعنى.
وحين تتهاوى القيم واحدةً تلو الأخرى، لا يبقى من الحضارة إلا واجهتها اللامعة… كقصرٍ من زجاج، يلمع كثيراً تحت الشمس، لكنه لا يملك أساساً يقاوم أول عاصفة.
ولعل أخطر ما في زمننا هذا أننا لم نعد نعيش على حافة الهاوية… وإنما بدأنا نزيّن الهاوية، ونضع حولها الأضواء، ونقيم فوقها الحفلات، ثم نقنع أنفسنا أننا نتقدم.
فليتنا، قبل أن نحتفل بكل شيء، نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً:
هل ما زال في داخلنا شيء يستحق الاحتفال؟

