«غمّض عين فتّح عين»: عمرٌ يمرّ وبلد لا يكبر

زلفا عسّاف

ليست «غمّض عين فتّح عين» التي عرضت مؤخراً على مسرح بيت الفنّان حمانا، حكاية زوجين فحسب، بل تبدأ من علاقة حميمة وبسيطة بين عايدة وإبراهيم، زوجين يمران بمراحل عمر مختلفة: يتشاجران ويتصالحان، يحلمان ويخافان، ينتظران طفلاً، يواجهان المرض والفقدان، ويحاولان حماية تفاصيل حياتهما من عالم ينهار. ومن خلال هذه العلاقة، يبني كريم شبلي وسارة عبدو حكاية أوسع عن أجيال لبنانية عاشت بين الحروب والأزمات وكأن الزمن عالق.من هنا يأتي العنوان. «غمّض عين فتّح عين» تختصر التجربة اللبنانية: تغمض العين على خوف وتفتحها على آخر، تنجو من حرب لتستيقظ على أزمة، يمر العمر والبلد يبقى في مكانه. ويجعل العمل هذا التكرار بنية درامية تتقاطع فيها حياة الشخصيتين مع تحولات البلد من الحرب الأهلية إلى الانفجار، مروراً بالهجرة والخسارات والقلق اليومي.قوة النص أنه لا يضع التاريخ في الواجهة دائماً، فالحرب تتسلل إلى البيت والعلاقة والتفاصيل اليومية: خبر سياسي، زيارة عائلية، رغبة في الإنجاب، خوف من المرض، انتظار غائب. تفاصيل صغيرة لكنها تحمل أثر بلد كامل، فيتحول الخاص إلى مرآة للعام، وكل محاولة للعيش يدخلها الوطن من باب آخر.ولا يروي العمل الحرب كمشهد عسكري، بل كتجربة إنسان يحاول العيش خلالها. فالحدث الكبير يظهر في أثره على العلاقة، الجسد، الحلم المؤجل، والفراغات الصغيرة. لذلك يبدو الزمن شخصية ثالثة ترافق البطلين وتكبر معهما.السينوغرافيا مقتصدة لكنها تضغط العالم داخل مساحة يمكن أن تكون بيتاً وذاكرة وملجأً وسجناً في آن. ومع التحولات البصرية يتسع المكان ليحتوي سنوات طويلة من الحياة من دون مبالغة.الإيقاع يقوم على مفارقة بين سرعة الزمن وبطء العيش: السنوات تمرّ والشخصيات تنتظر طفلاً أو خبراً أو استقراراً. ويتنقل العرض بين الكوميديا والوجع، حيث تصبح الضحكة وسيلة لاحتمال الواقع لا الهروب منه.ويبرز أداء فؤاد يمّين وسينتيا كرم في تجسيد شخصيتين يمر عليهما العمر فعلياً، لا كمجرد حكاية. الكيمياء بينهما تعكس تاريخاً طويلاً من العشرة والخلاف والحب، ويتحول الجسد والصوت إلى سجل للسنوات.اللغة بسيطة ويومية لكنها تنفتح على أسئلة أعمق عن الخوف، الانتظار، وفقدان الأمان. وهذا ما يجعل المسرحية قريبة من الجمهور من دون أن تتحول إلى خطاب مباشر عن لبنان.ورغم القسوة، لا يغيب الحس الكوميدي، لكنه كوميديا تعكس طريقة التعايش مع المأساة، فتبدو بعض اللحظات المضحكة أكثر إيلاماً لأنها مألوفة.درامياً، يدمج العمل الخاص بالعام، حيث تعيد الحرب والانفجار والهجرة تشكيل الحكاية. وتضع البداية والنهاية المرتبطتان بانفجار 4 آب التجربة داخل قوس ذاكرة واحد.وفي النهاية، مأساة الشخصيتين ليست استثنائية، بل عادية تماماً، وهذا ما يمنحها قوتها: أنها توحي بأن ما ضاع ليس لحظة بل العمر نفسه.لذلك تبقى «غمّض عين فتّح عين» بعد انتهاء العرض، كإحساس بأن ما شاهدناه قد يكون حياة أي بيت لبناني، وأن العبارة تختصر تاريخاً من الانتظار.هي مسرحية عن الحب، لكنها في العمق عن الزمن: عن زوجين حاولا أن يكبرا معاً في بلد لم يكبر بعد، وعن عمر يتحول من تجربة فردية إلى ذاكرة جماعية، تطرح سؤالاً بسيطاً وقاسياً: كم من أعمارنا ضاع ونحن نحاول النجاة؟

Scroll to Top