زلفا عسّاف
تبدأ «رحلة حنظلة» من مفارقة بسيطة في ظاهرها: رجل يخرج من السجن، لكنه لا يجد الحياة التي تركها وراءه. يفقد عمله وزوجته، ويجد نفسه أمام سلسلة من الأحداث التي لا يعرف أسبابها، فينطلق بحثًا عن تفسير لما حدث. من هنا يبني جو رميا عرضه: لا حكاية بطل يسعى إلى الانتصار، بل رحلة إنسان عادي يحاول أن يفهم العالم الذي يدفعه من مأزق إلى آخر.
وهذا الاختيار يمنح العرض مدخله الحقيقي إلى العبث. فالمشكلة التي يواجهها حنظلة ليست حادثة واحدة، وإنما منظومة كاملة تبدو كل حلقة فيها منطقية بمفردها، فيما يقود اجتماعها إلى واقع لا يمكن تفسيره. لذلك لا تأتي الكوميديا كفاصل عن الموضوع الجاد، بل كوسيلة لكشف تناقضاته. الجمهور يضحك لأن المواقف، في منطقيتها الظاهرية، تصبح أكثر عبثًا كلما تقدمت.

النص نفسه يحمل تاريخًا مسرحيًا غنيًا؛ فهو إعادة كتابة سعد الله ونّوس، عام 1978، لنص بيتر فايس «كيف تخلّص السيد موكينبوت من آلامه». وفي النسخة اللبنانية، يضيف جو رميا قراءة جديدة إلى هذه السلسلة، فيعيد صياغة المادة ضمن إيقاع لبناني معاصر، من دون أن يفقدها سؤالها الأساسي حول الفرد وعلاقته بمنظومة أكبر منه.
قوة الاقتباس هنا لا تكمن في تحديث الكلام فقط، بل في إعادة توزيع العلاقة بين الحكاية والجمهور. حنظلة لا يقدّم لنا أجوبة جاهزة؛ هو نفسه يبحث عنها، فيما تتكشّف عبثية العالم من خلال الشخصيّات والمواقف. وهذه نقطة أساسيّة في نجاح المعالجة، وإن كانت بعض المواضيع تميل إلى الشرح أكثر مما تحتاجه الصورة المسرحيّة، فيفقد المشهد قليلًا من المساحة التي يمكن أن يتركها لاستنتاج المتفرج.
إخراجيًا، يبني رميا العرض على الحركة والإيقاع وتبدّل الشخصيات والفضاءات. تغييرات المشهد أمام الجمهور تصبح جزءًا من اللغة المسرحية، لا مجرد انتقال تقني، فتتبدل الأمكنة والوظائف فيما يبقى حنظلة في موقع البحث نفسه. وتتكامل هذه الرؤية مع سينوغرافيا جوني رميا وإضاءة أحمد حافظ، لتمنح الخشبة مرونة تتناسب مع طبيعة الرحلة.

تمثيليًا، يحمل وسام بتديني شخصية حنظلة من دون بطولة مصطنعة أو مبالغة في استدرار التعاطف؛ عاديته هي مصدر قوته. أما كارلوس أنطونيوس، فيمنح شخصية حرفوش حضورًا إيقاعيًا وسرديًا مهمًا، فيما يسمح تعدد أدوار علي منهد بكشف الوجوه المختلفة للمؤسسة نفسها. وتضيف بيا خليل مرونة إلى البناء التمثيلي، وهو ما تُوّج بحصولها على جائزة اكتشاف العام.
ولهذا تبدو جوائز المونو الثلاث التي نالها العرض : أفضل اقتباس وأفضل إخراج لجو رميا، واكتشاف العام لبيا خليل، منطقيّة في ضوء تركيبته. فهي لا تقول إن «رحلة حنظلة» هي أفضل عروض الموسم، بل تشير إلى نجاحها في ثلاثة مستويات متصلة: إعادة بناء النص، تحويله إلى لغة مسرحيّة متماسكة، واكتشاف طاقة تمثيليّة جديدة.
في النهاية، لا تكمن قيمة «رحلة حنظلة» في استعادة نص ونّوس بقدر ما تكمن في قدرتها على جعله يعمل من جديد. السؤال الذي يرافق حنظلة بسيط ومقلق في آن: لماذا حدث لي كل هذا؟ ومن خلال هذا السؤال الفردي، يصنع العرض كوميديا عن عالم يستطيع أن يقدّم للإنسان تفسيرات كثيرة، من دون أن يمنحه بالضرورة تفسيرًا مقنعًا.
المسرحيّة مستمرة في عروض بتاريخ:11-12-13 أيلول على مسرح دوّار الشمس الطيوّنة


