«ضاع شادي»… طفلٌ يكبر تحت أنقاض الذاكرة

زلفا عسّاف

على خشبةٍ لا يتّسع فيها المكان إلا لذاكرةٍ مثقلة، يقف شادي الهبر وحيدًا أمام ماضٍ لم ينتهِ بانتهاء الحرب. في «ضاع شادي»، يتولّى الهبر الأداء والإخراج، فيحوّل تجربته الشخصيّة بين عامَي 1976 و1990 إلى مونودراما تبحث في أثر الحرب، لا على البلاد فقط، بل على الطفل الذي اضطرّ إلى أن يكبر داخله.

لا يروي الهبر الحرب من موقع الشاهد البعيد؛ يعود إليها من داخل طفولته، إلى النزوح والخوف والعنف والعائلة، محاولًا أن يفهم كيف ساهمت تلك السنوات في تشكيل الرجل الذي صار إليه. لذلك لا يحمل عنوان «ضاع شادي» معنى الضياع المكاني وحده؛ إنّه ضياع الطفولة، وتشوّش الذاكرة، وفقدان صورة الذات التي يحاول الإنسان استعادتها بعد أن تنتهي المعارك.وهنا تكمن خصوصيّة المونودراما.

فالهبر لا يكتفي بأن يروي حكايته، بل يجعل من جسده وصوته أداةً للانتقال بين الطفل والرجل، وبين ما عاشه وما يحاول اليوم فهمه. ومع الصور والشهادات المصوّرة لأفراد العائلة، يدخل الماضي إلى الخشبة بوصفه حضورًا حيًّا، فيلتقي المُمثّل بالصورة، والذاكرة بالوثيقة، وما قيل بما بقي عالقًا في الصمت.السينوغرافيا لا تعيد بناء الحرب بشكلٍ واقعي، بل تكتفي بعناصر ذات دلالة، في مقدّمها أكياس الرمل التي تستحضر المتاريس والحواجز، فيما تمنح إضاءة توفيق صفّاوي الخشبة حالاتٍ متبدّلة بين العتمة والضوء، كأنّ الذاكرة نفسها تتحكّم في ظهور الماضي واختفائه.

ويصبح الصمت جزءًا من اللغة المسرحيّة؛ فهناك أشياء لا تحتاج إلى شرح، يكفي أن يتركها الجسد معلّقةً في الفراغ.ولا تسير الحكاية وفق تسلسلٍ زمنيّ تقليدي، لأن الذاكرة لا تستعيد حياتها بهذه الطريقة. تقفز، تتوقّف، تعود إلى صورةٍ أو لحظة، ثم تنتقل إلى أخرى. ومن خلال هذا الإيقاع، تتحوّل استعادة الماضي إلى فعلٍ مسرحيّ، لا إلى مجرّد سردٍ لسيرة شخصيّة.لكنّ «ضاع شادي» لا يبقى أسير حكاية صاحبها.

فطفولة شادي تصبح صورةً لجيلٍ لبنانيّ عاش سنواته الأولى تحت القصف والخوف والنزوح، ثم حمل آثار تلك المرحلة إلى ما بعد الحرب. وهنا ينجح العمل في نقل التجربة من الخاصّ إلى العامّ، من دون أن يفقد صدقها الشخصيّ.«ضاع شادي» في جوهرها ليست مسرحيّةً عن الحرب بقدر ما هي عن ما تتركه الحرب في الإنسان بعد أن تنتهي. طفلٌ يكبر تحت أنقاض الذاكرة، ورجلٌ يعود إلى تلك الأنقاض ليبحث عمّا بقي منه. وفي هذه المواجهة، يتحوّل المسرح إلى مساحةٍ لاسترداد الذاكرة، وربّما لاستعادة شيءٍ من الذات التي ضاعت معها.

Scroll to Top