زلفا عسّاف
في محطة قطار، حيث يفترض أن يكون كل شيء عابرًا، تضع يارا زخور وأدون خوري رجلًا وامرأة أمام مساحة مفتوحة على الانتظار والكلام. من هذا اللقاء البسيط تنطلق «راديو ترانزيستور» إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نعرف الآخر؟ وكم من الحقيقة يمكن أن يختبئ خلف الصورة التي نختار أن نقدّمها عن أنفسنا؟

قوة النص في اقتصاده وفي قدرته على صناعة الدراما من التفاصيل. لا تحتاج الحكاية إلى أحداث متلاحقة كي تتحرّك؛ فالحوار، الصمت، النظرات وتبدّل النبرة تصبح جميعها أدوات درامية. يبدأ اللقاء بخفّة تقترب من الكوميديا، وتتشكل بين الشخصيتين ألفة تدريجية، قبل أن تتبدّل النبرة شيئًا فشيئًا، فيصبح ما بدا عابرًا في البداية قابلًا لقراءة مختلفة.
وهنا تكمن الكتابة: المفاجأة لا تأتي من خارج الحكاية، بل تنمو داخلها. ما نسمعه في البداية يكتسب معنى آخر مع تقدّم العرض، فيجد المتفرّج نفسه يعيد النظر في التفاصيل السابقة بدل أن يتلقى نهاية مفروضة عليه.
السينوغرافيا بدورها تتجاوز بناء محطة قطار واقعية لتجعل المكان حالة معلّقة بين الوصول والمغادرة. الصوت والإضاءة يساهمان في صناعة هذا الإحساس، فيما يبقى الفضاء محدودًا بما يكفي ليجعل التركيز كاملًا على الشخصيتين وعلاقتهما المتغيّرة. محطة الانتظار تصبح، تدريجيًا، مساحة نفسية أكثر منها مكانًا جغرافيًا.

أما الأداء، فيعتمد على حساسية واضحة في بناء المسافة بين الشخصيتين. زخور وخوري لا يذهبان إلى الانفعال المباشر، بل يتركان التحوّلات تظهر من خلال التفاصيل الصغيرة: نظرة، وقفة، تردّد أو تغيير في النبرة. ومع كل خطوة في العلاقة، يتغيّر وقع الكلمات نفسها، ويحافظ العرض على إيقاعه من دون أن يفقد طبيعته.
والأجمل أن المسرحية تعرف كيف تستخدم الكوميديا بوصفها مدخلًا لا غاية. يضحك الجمهور، ثم يبدأ تدريجيًا في الشك بما يراه ويسمعه. هكذا تتشكّل نبرة العمل بين الخفّة والقلق، وبين الألفة والإحساس بأن شيئًا ما ليس كما يبدو.
حتى العنوان يفتح بابًا لهذه القراءة: «الترانزيستور» جهاز يلتقط إشارات لا نرى مصدرها، كما يحاول الإنسان أن يلتقط إشارات الآخر ويفهم ما وراء كلماته. نحن نتحدث، نصغي، ونظن أننا نعرف من أمامنا، لكن المسافة بين الإشارة والحقيقة قد تكون أكبر مما نتخيّل.
«راديو ترانزيستور» مسرحٌ يلتقط ما بين الكلمات؛ عرضٌ متماسك في نصّه وأدائه وسينوغرافيته، يحوّل لقاءً يبدو عابرًا إلى مساحة للتأمل في الثقة، والصورة التي نصنعها عن أنفسنا، والحقيقة التي قد تكون حاضرة منذ البداية، لكننا لا نعرف كيف نسمعها.

راديو ترانزيستور عرضت مؤخراً على مسرح بيت الفنّان حمانا

