«بَعدَك» جراحٌ لا تُرى وغياب لا يُعوَّض

زلفا عسّاف


ليست خسارة من نحبّ حدثاً ينتهي عند لحظة الرحيل؛ فهناك حياة كاملة تبقى معلّقة بعدها، وذكريات تعود مراراً، وأسئلة لا نجد لها إجابات. هذا ما تضعنا أمامه مسرحية «بَعدَك»، من تأليف وإخراج وبطولة رالف س. معتوق، إلى جانب يمنى بو حنّا، في عمل يتجاوز حكاية الحبّ والفقد ليقترب من تعقيدات النفس البشرية وصعوبة استعادة الحياة بعد خسارة شخص نحبّه.


تدور المسرحيّة التي تعرض على مسرح District 7 الصيفي، حول يمنى التي تحاول العودة إلى الغناء بعد انتحار زوجها عاصي، فيما تستعيد ذكرياتهما المشتركة وتحاول فهم ما قاده إلى قراره. فقد عاصي والديه في حادث سير، وترك هذا الفقد أثراً عميقاً في حياته، ضمن معاناة نفسية تراكمت مع الوقت. لكن المسرحية لا تختزل الانتحار في سبب واحد، بل تفتح مساحة للتأمل في أوجاع قد تبقى مخفيّة، حتى عن أقرب الناس.


وأنا أتابع العمل، لم يكن السؤال الأهم بالنسبة إليّ هو كيف انتهت حياة عاصي، بل كم من الألم يمكن أن يحمله الإنسان في داخله من دون أن ينجح في التعبير عنه، وكم من الإشارات قد تمرّ من دون أن ننتبه إليها. هنا تكتسب المسرحية بعدها الإنساني، إذ لا تكتفي بعرض مأساة شخصية، بل تطرح أهمية الإصغاء والاهتمام بالصحة النفسية، من دون تحميل المحيطين بالإنسان مسؤولية ما قد يمرّ به أو اختزال المأساة في موقف واحد.
ويكتسب هذا الجانب أهمية إضافية من تعاون المسرحية مع جمعية Embrace المعنية بالصحة النفسية والوقاية من الانتحار. فالعمل يذكّرنا بأن السؤال عن حال من نحبّ، والإصغاء إليه، وتشجيعه على طلب المساعدة، أمور لا ينبغي الاستهانة بها، حتى وإن لم تكن كافية دائماً لمنع المأساة


تترك «بَعدَك» أثرها لأنها تقترب من موضوع موجع بحساسية، وتجمع بين الأداء والرسالة في حكاية تدعو إلى التفكير بما قد نخفيه خلف صمتنا. وقد لا تقدّم إجابات لكل الأسئلة التي تطرحها، لكن قيمتها تكمن في أنها تجعلنا نتوقّف أمامها، ونفكّر في علاقتنا بمن نحبّ، وفي قدرتنا على الإصغاء إليهم قبل فوات الأوان.
إنها حكاية عن شخص رحل، وامرأة تحاول أن تبدأ من جديد، وعن المسافة المؤلمة بين ما نعرفه عن الذين نحبّهم وما قد يخفونه في داخلهم. وفي النهاية، لا تلغي المسرحية ثقل الغياب، لكنها تترك نافذة مفتوحة أمام الحياة، وتذكّرنا بأن الوعي والاهتمام والإصغاء قد تكون بداية ضرورية لفهم وجع الآخرين.

Scroll to Top