
ليندا حمّورة
في محاربة الظل في داخلي، تنعقد محكمة أبدية لا تصدر أحكاماً، وتكتفي بإعادة تمثيل المأساة كلما استبدّ بنا الهُدوء. هناك، على رصيف الوعي المزدحم، تدور معارك صامتة لا طلقات فيها سوى تنهدات الأرواح، ولا غنائم سوى ما تبقّى منَّا على متن الذاكرة.في الجانب المعاند، تقف تلك النسخة التي لا تُجيد سوى الشك والمشاكسة؛ شبحٌ يرفض التسليم بالخسائر، يذكّرني دائماً بالثقوب التي تركناها في جدار اليقين، ويعيد على مسامعي فواتير الأيام التي دفعنا فيها أعمارنا ثمناً لعبورٍ لم يكتمل. إنها مرآتنا الأكثر قسوة، تلك التي لا تجمّل انكساراتنا ولا تمنحنا رخصة النسيان.وعلى الضفة المقابلة، ترابط تلك التي تساندني بصبر الملائكة؛ طاقة خفية من الإيمان الباقي، كحبلٍ سريٍّ يربطنا بجذر الأرض كلما اشتدت العاصفة. تمدّ لي يد العون لا لتنتشلني من المعركة، لكن لتعلّمني كيف أقف باعتدالٍ وسط النيران، مذكّرة إيَّاي بأن في الجذور متسعاً لصمودٍ جديد.وفي الزاوية الأقصى من الروح، حيث ينزوي الضوء ويخفت صخب الصراع، تجلس تلك الطفلة الصغيرة؛ بملابسها المبللة بدموع الماضي، وبريق عينيها الخائف الذي يشبهني تماماً. هي هناك، لا تقترب مني ولا أجرؤ على الاقتراب منها؛ كأن بيننا عقداً غير مكتوب يقضي بأن تبقى طفولتي وديعةً هناك، بعيدة عن شوائب الأيام وخراب الأسئلة. أرفض أن أمدَّ إليها يدي لئلا تلمس براءةُ طفولتها ما اقترفته يداي من ندوب، وكأنني باحتفاظي بها على مسافةٍ آمنةٍ من العزلة، أحاول أن أحمي آخر نقيٍّ في داخلي من طوفان النضج المرّ.لسنا سوى متاحفَ متنقلة لِمَنْ كنّاه ولمن غدونا عليه؛ نتحارب في العتمة لنبقى، ونُسالم ظلالنا لئلا نموت وحدنا. وحدها الطفولة في الركن البعيد تظل الحقيقة الوحيدة التي لا تساوم، والشاهد البريء على أننا، رغم كل معارك العبور، ما زلنا عاجزين عن العودة إلى مهد الطفولة.
