«القرنة البيضا»: حين يتحوّل المكان إلى قدر، والمرأة إلى ذاكرة ناطقة

زلفا عسّاف

«القرنة البيضا» مسرحية كتبها وأخرجها يحيى جابر، وتؤديها الممثلة ماريا الدويهي. تدور أحداثها في شمال لبنان، بين قريتي إهدن وزغرتا، لتروي حكايات نساء وأسر، بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والواقع.

تتناول المسرحية رحلة شابة تُدعى تريزا، التي تجسد بحث المرأة عن ذاتها وسط قيود مجتمع محافظ، حيث تُفرض عليها حدود صارمة باسم الدين والعادة. من تعرضها للظلم داخل بيتها، مروراً بما تواجهه في محيطها، وصولاً إلى رحلتها الخارجية إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الحرية والحياة، تتشابك هذه الحكايات مع التاريخ الجماعي للمنطقة، لتصبح المرأة هنا ذاكرة ناطقة للمكان والتاريخ والخيارات المحكومة بعادات صارمة.

في «القرنة البيضا»، لا يقدّم يحيى جابر مسرحية بالمعنى التقليدي، بل يكتب عن مكان يتحوّل إلى منظومة كاملة، منظومة تنبض بتاريخها وعاداتها وسلطتها غير المعلنة، وتفرض على أفراده، خصوصاً النساء، حدوداً يصعب الخروج عنها. إهدن وزغرتا هنا ليستا قريتين شماليتين يمكن النظر إليهما من الخارج، بل منظومة اجتماعية متكاملة، لها قوانينها غير المرئية، وطقوسها اليومية التي تحكم الأفراد بلا تصريح.

النص لا يسرد الحكايات كوقائع منفصلة، بل يتركها تتشابك وتتمازج كما لو أنّها اعترافات متأخرة لمجتمع بأكمله. كل صوت يحمل صدى الأجيال السابقة، وكل فعل يومي يُفهم في ضوء ما سبق. التاريخ لا يظهر كأرشيف منتهي، بل كقوة حاضرة ما زالت تشكّل الخيارات وتفرض الحدود.
القديسون، الكنائس، البطولات القديمة، جميعها أدوات ضبط غير مرئية، تمنح الذكورة سلطة أخلاقية واجتماعية، وتفرض الصمت على من لا يُسمح له بالحديث.
وسط هذا العالم، تقف المرأة في قلب الصراع. ليست مجرد شخصية، بل حاملة لذاكرة ثقيلة ومجموعة من الحكايات المتشابكة. جسدها ومساحة حريتها خاضعة لمعايير المجتمع: الزواج، الإنجاب، الذكور، كل ذلك شروط لاكتساب القيمة. القمع لا يُقال بصراحة، لكنه يتسلّل عبر الطقوس اليومية، الدعاء، الصمت والخوف المتوارث. قوة النص تكمن في كشف العنف الموروث بهدوء، دون شعارات أو خطابية، ليصبح جزءاً من الجو العام للعرض.

المونودراما ليست قراراً شكلياً، بل امتداد طبيعي لفكرة العزلة. ماريا الدويهي وحيدة على الخشبة، تتنقّل بين الشخصيات والأصوات من دون أن تفقد مركزها، وحضورها يمتد إلى الغناء، حيث يكمّل الصوت السوبرانو الحقائق ويمنح النص أبعاداً إضافية من التعبير، ما يجعل الأداء مشبعاً بالصدق والإحساس.

أداؤها قائم على تركيز داخلي عالٍ، وانضباط، وعلاقة مباشرة بالنص والمكان. وفي اللحظات التي تسمح فيها لنفسها بالتحرر من قيود الضبط، يتحوّل الأداء إلى اعتراف حيّ، ويصبح الجسد أداة للحقيقة والصدقية، لا مجرد وسيلة للتمثيل.

السينوغرافيا شديدة التقشّف، لكنها محكمة: إطار خشبي، أقمشة، وصينية. عناصر قليلة تُترك مساحة للذاكرة والجسد والصوت لملء الفراغ. الغناء، حين يظهر، ليس للزينة، بل كامتداد درامي للخطاب، كأن الصوت يصبح الحاجة الأخيرة للتعبير حين تعجز اللغة عن حمل ثقل الحكاية.

مع تقدّم العرض، تتراكم المشاهد وتتكثف، بعضها يمرّ بهدوء، وبعضها يترك أثراً ثقيلاً، حتى تصل التجربة إلى لحظات ذروة يتلاقى فيها الجسد والطقس والذاكرة والعنف الموروث في مساحة واحدة. هذا التكثيف يجعل ما يليه يبدو أخف وطأة، ليس ضعفاً، بل نتيجة طبيعية لثقل ما سبق.

من حيث البناء، الإيقاع متنوّع. هناك لحظات تتشكل تدريجياً، وانتقالات تُترك أحياناً لمواجهة الخشبة والصمت، ليشعر المتفرّج بالإصغاء الكامل والمباشر، كما لو أنّ العرض يضعه في قلب المكان مع الشخصيات، يشارك في التوتر والانفعال.

«القرنة البيضا» ليست عرضاً مريحاً أو سهلاً. هي عمل يضع الانتماء تحت السؤال، ويكشف ثمنه الباهظ، خصوصاً على النساء، من دون ادّعاء الحلول أو الانتصار.

يؤكّد يحيى جابر أنّه يعرف كيف يحوّل الجغرافيا إلى سؤال حي، والموروث إلى مادة نقدية حية، فيما تثبت ماريا الدويهي قدرتها اللافتة على حمل نص ثقيل ومشحون بالعاطفة والمعنى، وحتى في لحظاته الأكثر قسوة.

هو عرض يُشاهَد ليس للمتعة وحدها، بل ليذكّرنا بأن المسرح، حين يكون صادقاً، قادر على أن يكون مرآة حقيقية، صعبة، وضرورية.

Scroll to Top