زلفا عساف
في مسرحية ‘شي تيك توك شي تيعا’ لطارق سويد، يتضح أنها ليست مجرد مشاهد قصيرة، بل فضاء مسرحي مركب يكشف زيف الذات الرقمية التي تفرضها المنصات الاجتماعية. المشهديات القصيرة والمتتابعة تعمل مثل مرايا متفرقة تعكس الصراع بين الحقيقة والظهور، بين الجوهر والقناع، وتضع المشاهد أمام هشاشة الأداء الرقمي في تشكيل هويته وعلاقاته.
كل مشهد هنا بنية مستقلة ومتجاوبة مع الأخرى، لكنه في الوقت نفسه جزء من نسق أكبر يكشف آليات التمثيل الزائف التي تولّدها منصات التواصل: تكرار الكلام بلا عمق، الإيماءات الجسدية المبالغ فيها، والتكرار الإيقاعي للحركات، كل ذلك يحاكي الطريقة التي ننتج بها صورنا الرقمية على تيك توك ومنصات أخرى. الشخصيات لا تعكس تصرفات الحياة الواقعية، بل إعادة إنتاج لصورة الذات وفق منطق المنصات، حيث الأداء أهم من الجوهر.
في إحدى المشهديات، يتحوّل الحوار إلى مفارقات لفظية متكررة بلا معنى حقيقي، فيما تصبح الحركة الجسدية محاكاة لإيماءات الفيديوهات القصيرة، لتوضح أن المنصات الرقمية لا تعكس الحقيقة بل تخلق نسخًا مصطنعة من الذات، تكاد تتحكم في كل علاقة بين الأشخاص.
الإخراج يعيد توزيع المشهد ليحوّل الخشبة إلى مرآة للفضاء الرقمي: الإضاءة تكشف الفراغ النفسي، الديكور يعكس تكرار الزيف، والأزياء تبرز الأقنعة التي نصنعها للظهور وفق التوقعات الرقمية. الموسيقى والإيقاع الصوتي يتحركان بتناقضات متعمدة، مثلما تتنقل أصوات الإعلام الافتراضي بين الحقيقة والوهم، لتوضح هشاشة وسطحية الوسائل الرقمية في تشكيل الهوية.
النص نفسه يستخدم الفكاهة والسخرية كأدوات كشف: المشاهد قد يضحك أولًا، لكنه سريعًا يكتشف مدى التناقض بين ما نعرضه وما نشعر به حقًا. كل مشهديات المسرحية تعمل على فضح ضعف الأداة الرقمية في خلق هوية حقيقية، وكيف تتحول الحياة اليومية إلى أداء مستمر يفتقد الجوهر ويعكس القناع الزائف.
بهذه الطريقة، تصبح شي تيك توك شي تيعا تجربة مسرحية نقدية للزيف الرقمي، حيث الخشبة تتحوّل إلى فضاء للتحقيق في الذات، في العلاقات، وفي تأثير المنصات الرقمية على حياتنا الاجتماعية والنفسية. كل حركة، كل كلمة، وكل نبرة صوتية تبرز هشاشة الزيف الرقمي، وتضع المشاهد أمام حقيقة أن ظهورنا الرقمي غالبًا ما يكون قناعًا أكثر من كونه حقيقة.

