هل يمكن أن نودّع صوتًا… لا يزالُ يعيشُ فينا؟

زلفا عسّاف

مع رحيل الفنّان هاني شاكِر لا يمكن الحديث عن نهاية مسيرةٍ بقدر ما هو استعادةٌ لصوتٍ صنع ذاكِرةً كاملةً داخل الوجدان العربيّ. لا يبدو الأمر انتهاء مسيرةٍ بقدر ما هو انكِشافٌ لطبقةٍ كاملةٍ من الذّاكرة الغنائيّة العربيّة، تشكَّلت على امتداد عُقودٍ من الإحساس المُتدرِّج لا الصَّخب. فهانيّ شاكِر لم يدخل الأغنية بوصفه صوتًا فقط، بل بوصفه أسلوبًا في التَّعامل مع العاطفة ذاتها، حيث يتحوَّل الغناء إلى حالةٍ من التَّوازن بين الرَّهافة والانضباط، بين حضور الكلمة وشفافيّة الأداء.
منذ بداياته، انطلق شاكِر من امتدادٍ طربيٍّ واضح، لكنّه لم يتعامل مع هذا الإرث كقالبٍ مُغلَق، بل كمساحةٍ قابلةٍ لإعادة التشكيل. اعتمد على اقتصادٍ في الأداء يمنح الجملة الغنائيّة فرصة أن تتنفس، وأن تصل دون ضغطٍ زائد على المعنى. في تلك المرحلة، كانت الأغنية عنده تُبنى على وضوح الإحساس أكثر من تعقيد التكوين، ما جعله يرسّخ صورة صوتٍ لا يفرض نفسه، بل ينساب داخل المستمع بهدوءٍ محسوب.
مع الثمانينيات، بدأت ملامح التحوُّل تتّضح داخل تجربته، دون أن تنقطع عن جذورها. الأغنية أصبحت أقرب إلى الحياة اليوميّة، وأكثر التصاقًا بتجربة المستمع العاطفيّة المباشرة، من دون أن تفقد بنيتها الطربيّة. هنا ظهرت خصوصيّة شاكِر في صياغة رومانسيّة ليست مثاليّة ولا متكلّفة، بل رومانسيّة بشريّة تميل إلى البساطة الواعية، حيث لا تُبنى الأغنية على الانفعال اللحظيّ، بل على استمراريّة الشعور. هذا التوازن بين الكلاسيكي والمباشر جعله يحافظ على هويّةٍ صوتيّةٍ يصعب استبدالها أو محاكاتها.
في التِّسعينيات، وصل هذا المسار إلى ذروة نُضجه، حيث لم يعد الصوت مجرّد أداة تنفيذ، بل عنصرًا بنيويًّا في تشكيل الأغنية نفسها. هنا تتجلّى دقّته في التَّحكُّم بالجملة الموسيقيّة، ليس عبر القوّة، بل عبر توزيع الإحساس داخلها. يتحوّل الأداء إلى كتابةٍ موازيةٍ للَّحن، يُضيف فيها الصوت طبقاتٍ غير مكتوبة، تجعل الأغنية تبدو أبسط ممّا هي عليه، لكنّها في العمق أكثر تركيبًا. في هذه المرحلة تحديدًا، أصبح حضوره جزءًا من تعريف الأغنية الرومانسيّة العربيّة الحديثة، لا مجرّد أحد ممثّليها.
ومع الألفيّة الجديدة، دخلت تجربته في اختبار التَّحوّلات السريعة التي أصابت بنية الموسيقى العربيّة. لكن ما يميّز هذا الامتداد لم يكن مقاومة التغيير بقدر ما كان ضبط إيقاعه. حافظ على مركزٍ ثابت يقوم على أن الأغنية لا تُقاس بحداثة أدواتها فقط، بل بقدرتها على إنتاج إحساسٍ صادق. حتى عندما اقترب من توزيعاتٍ أكثر حداثة، ظلّ الإحساس هو المرجع الأوّل، وكأنّ كل تحديث يمرّ عبر غربلةٍ داخليّةٍ دقيقة تحفظ ملامح الصوت الأصليّة.
في عمله المرتقب صدوره بعنوان “ما بقتيش أنام”، الذي سجّله قبل أزمته الصحيّة الأخيرة، يتكثّف هذا المسار في صيغةٍ أكثر هدوءًا وداخليّة. العمل يبدو أقرب إلى استعادةٍ واعيةٍ لروح التسعينيات ومعنى الزمن الجميل، بمعنى العودة إلى لحظةٍ كان فيها الشَّجن أكثر صفاءً، والجملة الغنائيّة تُبنى على التأمّل لا على الاستجابة السريعة. .
وقدجاءت لحظة المرض، لتضع هذه المسيرة أمام طبقةٍ أخرى من المعنى، تتجاوز الفنّ. في هذا التوقّف، لم يَغِب الأثر، بل تغيّر موقعه، إذ انتقل من الأداء إلىو الذّاكرة، ومن الحضور المباشر إلى الحضور المُستعاد، كأنّ الصوت بدأ يعيش في ما بعده، لا في لحظته.
وفي هذا التداخل بين عملٍ لم يخرج بعد إلى النور الكامل، وبين غيابٍ إنسانيٍّ ثقيل، تتكوّن صورةُ فنانٍ لم يكن مساره خطًّا مستقيمًا، بل طبقاتٍ من الإحساس المُتراكم، أعادت تشكيل معنى الأغنية الرومانسيّة العربيّة في لحظاتها الأكثر هدوءًا وصدقًا.
وفي هذا الوداع الذي لا يشبه أيّ وداع، يبدو الصمت امتدادًا مختلفًا للصوت، أكثر هدوءًا، وأكثر عمقًا، وأكثر حضورًا ممّا يبدو.
ويبقى السؤال معلّقًا في الذاكرة قبل الكلمات:
هل يغيب الصوت حقًّا… أم أن ما يبقى منه هو الشكل الأصدق للحضور؟

Scroll to Top