مهرجان ‘شاشات الجنوب’ في متروبوليس: سينما تصغي إلى الإنسان بين الصمت والذاكرة والعبور


زلفا عسّاف

في برنامج مهرجان “شاشات الجنوب” الذي قدّمته سينما متروبوليس بين 28 أيار و6 حزيران، لم تكن الأفلام مجرّد اختيارات، بل خارطة سينمائيّة بين دول عدّة من فلسطين وكولومبيا والعراق وفرنسا وإسبانيا وغيرها. هذه الأعمال، التي عُرض بعضها في مهرجانات كبرى مثل كان cannes، وبرزت في دوائر نقديّة دوليّة، التقت عبر قاسم مشترك هو الإنسان حين يُجرّد من يقينه الداخلي ويُترك في مواجهة الصمت، الذاكرة، والفقد والتاريخ.
في مدينة مثل بيروت، التي ما زالت تعيش آثار حرب طويلة وانكسارات متراكمة في الذاكرة اليوميّة، بدا هذا البرنامج أكثر من مجرّد عروض سينمائيّة، بل مساحة قراءة مشتركة للعالم عبر مشاهد بصريّة تتقاطع فيها التجارب حيث تتحول الصورة إلى أداة تفكير وليست مجرد تمثيل، ويصبح الاختيار البرمجي نفسه خطابًا ثريّاً عن العالم. وقد استطاعت سينما متروبوليس من خلال هذه البرمجة أن تعيد تثبيت فكرة أن السينما ليست ترفًا، بل مساحة مقاومة هادئة للانهيار، وأنها تتيح للمدينة أن تستعيد شيئًا من توازنها الرمزي.
وقد اخترنا التوقف عند أبرز الأفلام التي شاهدناها ضمن هذا البرنامج، بوصفها ليست أعمالًا منفصلة، بل فصلًا واحدًا من سؤال أكبر حول الإنسان حين يُفكك من ثوابته، حين يصبح الصمت لغة، والذاكرة عبئًا، والفن سؤالًا غير مكتمل، والرحلة شكلًا من الانكشاف الداخلي.


يمتد هذا الحس المشترك من فيلم Rungano NyoniOn Becoming a Guinea Fowl (2024)، الذي جاء من زامبيا والمملكة المتحدة وإيرلندا، وعُرض في مهرجان كان 2024 ضمن قسم Un Certain Regard حيث لاقى إشادة نقديّة واسعة. الفيلم الذي تؤدي فيه Susan Chardy (Shula) دور امرأة تعود إلى عائلتها بعد وفاة قريب، ينطلق من حدث بسيط ظاهريًا: عودة ابنة إلى بيت العائلة لحضور جنازة، لكن هذه العودة تتحوّل تدريجيًا إلى مواجهة مع تاريخ كامل من الصمت حول اعتداءات غير مُعترف بها داخل العائلة.
شيئًا فشيئًا، يتكشّف أن البيت ليس مكانًا للذاكرة، بل نظام مغلق لإعادة إنتاج الإنكار، حيث يصبح كل فرد جزءًا من بنية تواطؤ صامت. سرديًا، لا يبني الفيلم تصعيدًا تقليديًا، بل يشتغل على التوتر البطيء، كأن الحدث الحقيقي يحدث تحت الكلام لا داخله. الإخراج يعتمد على كادرات ثابتة ومساحات فارغة محسوبة تجعل الصمت أكثر حضورًا من الحوار، مع تصميم صوتي يضاعف الإحساس بالفراغ، فيتحول البيت إلى فضاء خانق نفسيًا.


ومن هذا الصمت الثقيل ننتقل إلى لحظة أرشيفية نادرة مع فيلم Saïd Effendi (1956) للمخرج العراقي كامران حسني، الذي يُعد من الأعمال المبكرة في السينما العراقية الواقعية. وقد عُرض هذا الفيلم ضمن كلاسيكيات مهرجان كان السينمائي العام الماضي كما ورد في تقديم العرض.
تدور قصته حول رجل بسيط في بغداد القديمة يعيش تفاصيل يومية هادئة ظاهريًا، لكن هذه التفاصيل تتحول تدريجيًا إلى مرآة لمدينة تتغير بصمت. يؤدي الأدوار الرئيسية سامي عبد الحميد وإستر غطاس.
يعتمد الفيلم على تصوير خارجي طبيعي يعكس تأثير الواقعية  الجديدة، حيث تصبح بغداد هي الشخصية الأساسية، تتحرك بين زمنين: تقليد ينسحب وحداثة تتشكل، في بناء بصري يقوم على الملاحظة أكثر من الحدث.

أما في فيلم A Poet (2025) للمخرج الكولومبي Simón Mesa Soto، والذي عُرض في مهرجان كان 2025 ضمن قسم Un Certain Regard، فنحن أمام قصة تبدأ من نقطة انكسار: شاعر يعيش خارج دائرة الاعتراف، يحاول استعادة معنى حياته عبر علاقة بطالبة شابة موهوبة. الشخصية المركزية Óscar Restrepo، التي يؤديها Ubeimar Rios, تتحول إلى دراسة في انهيار صورة الفنان حين يُسحب منه الاعتراف الرمزي.
يتقدم الفيلم عبر تفاصيل يومية دقيقة، ويعتمد على قرب بصري شديد من الشخصيات، ما يجعل التجربة أقرب إلى تفكك داخلي هادئ أكثر من كونها سردًا تقليديًا.



في المقابل، يأخذنا Sirât (2025) للمخرج الإسباني الفرنسي Oliver Laxe، الذي عُرض في مهرجان كان 2025، إلى رحلة صحراوية تبدأ بالبحث عن مفقودة، لكنها تتحول تدريجيًا إلى تجربة وجودية يتآكل فيها معنى الهدف نفسه.
يحمل الفيلم عنوانه بمعناه الفلسفي: الصراط المستقيم، كمسار هش بين الحياة والموت، وبين المعنى والضياع. ومع تقدم الرحلة، تتحول الصحراء إلى حالة وعي، والزمن إلى كتلة شعورية بطيئة، فيما يصبح الصمت عنصرًا مركزيًا في بناء التجربة البصرية.



واختتمت عروض البرنامج مع فيلم All That’s Left of You (2025) للمخرجة شيرين دعيبس، وهو إنتاج متعدد الدول بين فلسطين وألمانيا وقبرص والأردن واليونان وقطر والسعودية.
يمتد الفيلم عبر قصة عائلة فلسطينية تتعرض للتشظي عبر أجيال من النكبة إلى الشتات، حيث تتحول الذاكرة إلى بنية متراكمة من الفقد.

الأدوار الرئيسيّة شيرين دعيبس، صابح بكري، آدم بكري ومحمد بكري.

الفيلم يتتبع عائلة فلسطينية تمتد عبر عدة أجيال، تبدأ من الأب الأكبر ثم الابن، وصولًا إلى الجيل الأصغر، حيث تتشكل حياتهم تحت ضغط النكبة وما تلاها من فقد وتشظي وتهجير. في قلب هذا الامتداد العائلي، تعيش الأم تجربة مركزية تقود السرد، بينما يتعرض الابن لخسارة قاسية تغيّر مسار العائلة وتكشف كيف يتحول الفقد الفردي إلى ذاكرة جماعية ممتدة. الفيلم يقدّم هذا التاريخ ليس كأحداث سياسية مباشرة، بل كحياة يومية تتراكم فيها الخسارات الصغيرة لتصنع حكاية عائلة كاملة تبحث عن معنى البقاء والانتماء.

على الهامش
ضم البرنامج أيضًا مجموعة أعمال أخرى امتدت من الجزائر والهند وكوريا الجنوبية وإيران واليابان والأرجنتين ونيجيريا، إضافة إلى برنامج أفلام قصيرة طلابية من IESAV – USJ. هذه الأعمال فتحت أسئلة موازية حول الطبقة والهجرة والسلطة والطفولة والهوية، بما يجعل البرنامج شبكة واسعة من التجارب أكثر من كونه سلسلة عروض مستقلة.

ختامًا، ما يجمع هذه الأفلام عبر الجغرافيا والموضوعات المختلفة هو طريقة مشتركة في النظر إلى الإنسان حين يُفكك من ثوابته: حين يصبح الصمت لغة، والذاكرة عبئًا، والفن سؤالًا غير مكتمل، والرحلة شكلًا من الانكشاف الداخلي. في هذا السياق، بدا برنامج “شاشات الجنوب” في متروبوليس مساحة سينمائية تعيد التفكير في الصورة كوسيلة إدراك لا تمثيل.
كل فيلم  فتح أسئلة وجوديّة وفلسفيّة في الصميم وكأن البرنامج يقترح أن الإنسان في السينما المعاصرة لم يعد يُفهم من خلال ما يفعله، بل من خلال ما يصعب عليه قوله أو تذكره أو تجاوزه.

Scroll to Top