ليندا حمّورة
ثمة حقيقة كونيّة تُثبتها غرابيل الأيام، وهي أن البشر في جوهرهم ليسوا رداءً واحداً، إنّما هم “معادن وجوديّة” تتفاوت صلابةً ونقاءً. بعضهم يُشابه الألماس في كينونته؛ لا تزيد الخطوب صقاله إلا توهجاً، ولا يسكب في دروبنا إلا ضياءً خالصاً. هؤلاء هم أصحاب “المحبة الإيمانية”، الذين يروْن في نجاح غيرهم امتداداً لجمال الكون، فيشدّون على يراعه البليغ، ويستحيلون صلواتٍ صامتة تحرس خطانا من عواصف الطمس. هؤلاء لا نهديهم الكلمات، إنّنا نُشرع لهم النوافذ المغلقة في أرواحنا، لأن حبهم عهدٌ ووفاء ندر في زمن “السيولة الأخلاقية” والمصالح العابرة.وفي المقلب الآخر، تتجلى طائفةٌ من النفوس التي قُدّت من حديدٍ واهن، ما إن يُلامسه مطر الحقيقة أو يلفحه ضوء تميز الآخرين، حتى يتآكل بالصدأ والكمد. إنهم “المتربصون في عتمة الهوامش”؛ أولئك الذين يحملون في صدورهم اعتلالاً فكرياً وضموراً وجدانياً، فيرون في منارات الإبداع خطراً داهماً يُهدد ركودهم، وكأن التميّز عدوى يخشون أن توقظ خمولهم! إنهم لا يملكون شجاعة المواجهة، فيلوذون بالدعاء الصامت بالشر، متوهمين أن إطفاء السراجِ يحجب الشمس.إن الوعي الفلسفي يفرض علينا ألا نسقط في الشباك غير المرئية التي ينصبها هؤلاء الحاقدون بنفث سلبياتهم. إنهم يُحاولون عبثاً سحبنا إلى مستنقعات كسلهم الذهني والروحي.بيد أن الحكمة تقتضي أن نُغير وظيفتهم في فلسفة حياتنا:”لا ينبغي للحاسد أن يكون حجر عثرة، إنّما يجب إعادة صياغته ليكون جسر عبور.”إن وجودهم في معترك حياتنا هو المعيار الذي يُثبت صلابة معدننا؛ فكل سهمٍ يطلقونه من وراء حجب غيظهم، يجب أن يتحول إلى قوة دفعٍ ترتقي بنا نحو قمم أبعد، حيث لا تصل غربان السلبية، وحيث لا يتنفس إلا الأحرار والمبدعون.وحين تنقشع غيوم المصالح الزائفة، وتذرو الرياح رماد العلاقات الموسميّة الفجّة، لن يصح في تضاريس الوجود إلا ما كان أصيلاً. إن السلبيين والحاقدين ليسوا سوى تفاصيل باهتة على هوامش لوحتك المتألقة، فلا تلتفت للوراء كي لا تفقد بريق الزاوية التي تقف عليها.طِر بأجنحة يراعك فوق غثاء أحقادهم، واجعل من نكيرهم ضجيجاً يتبخر تحت أقدام صعودك. ففي نهاية المطاف، لن يبيت في ذاكرة الكون إلّا من خطّ بمداد روحه أثراً باقياً؛ أما المعادن الصدئة، فحتمُها أن تذوب في نسيان الأرض، ليظل الألماس وحده.. سيد النور، وسادن الخلود.

