إغتراب النغم

ليندا حمّورة


يواجه الإنسان اليوم واحدة من أعقد مفارقات وجوده الوجداني؛ إذ يقف حائراً بين وترٍ يوجعه بنانُ بشر، وبين خوارزميةٍ تقتحم خلوته لتستوطن قلبه دون استئذان. تتبدى المفارقة الصادمة في قدرة هذه الكينونة الاصطناعية الخالية من النبض والمشاعر على ملامسة أغوارنا، بينما ننفر، في المقابل، من كتل بشرية كان يُفترض بها أن تكون منبعاً للدفء والتعاطف.
هذا الانزلاق الجمالي يعيدنا إلى تساؤل الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو حول سلعنة الفن وتشييئه؛ هل الرداءة الاستهلاكية التي طغت على المشهد الفني المعاصر، وانحدار الكلمة وعشوائية اللحن ونشاز الأصوات البشرية الحاضرة، هي التي شرّعت الأبواب أمام البديل الرقمي؟ لقد تخلت الأغنية الحديثة عن عظمتها القديمة، عن فرادة الصوت وعمق الكلمة، فتركت المستمع في عراء جمالي، جعله يلوذ بذكاء اصطناعي يُعيد تركيب الماضي بصورة مثالية متخيلة.
يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار في نظريته عن “المحاكاة والزيف “
النموذج البديل يحل محل الحقيقي، ليصبح أكثر واقعية من الواقع نفسه”.
هذا تماماً ما تفعله الآلة اليوم؛ إنها لا تخترع من العدم، بل تسلب أصوات الراحلين الكبار، وتستعير حشرجاتهم ونبراتهم الحية التي سكنت ذاكرتنا الجماعية، لتقدم لنا “مخدرًا جماليًا” مؤقتًا.
قد ينبري البعض للدفاع عن الحصن البشري بالقول إن أغاني الذكاء الاصطناعي كائنات زجاجية هشة، محدودة الأجل، تولد لتموت سريعا دون أن تحفر مجراها في الذاكرة أو يرددها الوجدان. هذا الزعم، وإن حمل رصيفاً من الحقيقة، يغفل عمق التحدي؛ فالآلة لم تتمرّد على صانعها، بل تعكس المدى الذي بلغته الإرادة الإنسانية في تطوير أدواتها. الأصوات الرقمية التي تُبكينا اليوم ليست سوى أطياف منسوجة من حناجر بشرية صقلها التاريخ.
المعركة الحقيقية ليست مع الآلة، المعركة مع ذواتنا. لقد حان الوقت لننفض غبار الكسل الإبداعي، ونستعيد عروش النور التي هجرناها. إن مواجهة هذا الامتداد الرقمي لا تكون بالانكفاء، إنّما بالاندفاع نحو ابتكار أصيل، وصياغة جماليات غير قابلة للنسخ أو التنميط. نحن مطالبون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأن نكون أنفسنا، بصدقنا، بضعفنا، وبعثراتنا الحية التي تعجز البرمجيات عن محاكاتها.

إن الأصابع التي غزلَت من الطين أول قيثارة، وصهرت الحديد لتبني منه حضارات، لن ترضى بأن تكون هامشاً في كتاب صنعته يداها. لن تدثرنا الآلة ولن تمحو أثرنا، فالمعدن يظل صدىً، والصوت الإنساني هو الينبوع. سننتصر دوماً،بفيض التجدد؛ لأن في أعماق كل إنسان جذوة إلهية لا تُقاس بالأرقام، ونوراً أصيلاً إذا سطع، تلاشت أمامه كل الشموع المستعارة …

Scroll to Top