الخيبة… عندما تلتوي خناجر الرفاق

ليندا حمّورة


نمرّ في هذه الحياة عبر دروبٍ وعرة، لا تُقاس مسافاتها بالخطوات، إنما بالندوب التي تتركها على جدران أرواحنا. بعض تلك العثرات يسقطنا أرضاً فيكسر فينا شيئاً من براءة الطفولة، وبعضها الآخر يرتدّ علينا كصدمةٍ كهربائية تُوقظ فينا وعياً حاداً، وتجعلنا ندرك حقائق الوجود العارية كما هي، بلا رتوش أو تجميل.
أشدّ هذه الحقائق مرارةً هي تلك التي نتجرعها من كؤوس الأصدقاء. الأصدقاء الذين شرعنا لهم أبواب قلوبنا، ومنحناهم صكوك ثقتنا المطلقة، واقتطعنا من وهج ذواتنا لنضيء عتماتهم، حتى غدوا أقرب إلينا من حبل الوريد. كيف يمكن، إذن، ليدٍ كانت تمسح دمعتنا بالأمس، أن تتسلل اليوم في عتمة الغدر لتوجه خنجراً مسموماً إلى الظهر؟
إن السؤال هنا لا يتعلق بفعل الغدر ذاته، إنما بـ “حساباتنا نحن”. هل أخطأنا حين ظننا أن النقاء الذي يسكننا هو عملة سائدة في قلوب الآخرين؟ فلسفياً، الخطيئة ليست في العطاء، إنما في “الإسقاط”؛ لقد أسقطنا ملاك طهرنا على بشرٍ تحكمهم النوازع والتقلّبات، فكانت الطعنة هي الاستفاقة القاسية من حلمٍ شيدناه بأيدينا.

تأتي المعضلة الأكبر، والتي تستدعي الوقوف عندها طويلًا: أيعقل أن نعود إلى صديقٍ هشم مرايانا، ونمحو أثر طعنته وكأن شيئاً لم يكن؟
هنا تنقسم النفوس؛ يرى البعض في العودة مرونةً أو تجاوزاً، وفي ميزان النفس الأبية التي تزن الأشياء بمكيال الكرامة، تبدو العودة خطيئةً ثانية بحق الذات. إن الكرامة ليست ثوباً نرتديه ونخلعه حسب الفصول، إنها الهيكل العظمي الذي يُبقي قاماتنا منتصبة. من يفرط بها ليشتري وداً زائفاً، كمن يبيع أرضه ليشتري بثمنها قيداً. كيف يستقيم أن نطمئن لظلٍ طعننا لمجرد أن الشمس عادت لتشرق؟ الجرح قد يندمل، ومكانه يظل جلداً ميتاً لا يشعر، والعودة إلى من خان هي رهنٌ للمستقبل عند شخصٍ صادر الماضي.

في نهاية المطاف، ليست كل الانكسارات هزائم، إنما بعضها هو إعادة ترتيب لبعثرة الروح. والذين يرحلون من حياتنا بطعنةٍ غادرة، لا يتركون خلفهم فراغاً، إنهم يتركون مساحةً أوسع لنرى النور بشكلٍ أفضل.
إن الكرامة كعطرٍ نادر، إذا تبخر مرة، لا يمكن لأي اعتذار في الأرض أن يعيد تقطيره في زجاجة الثقة. ومن يختار أن يحمي كبرياءه ويغلق الباب خلف من طعنه، لا يفعل ذلك حقداً، إنما لأنه أدرك أخيراً أن بعض الطيور لا تحلق في سماءٍ أمطرت يوماً خناجر، وأن المحيط الذي لا يحترم سفينتك، لا يستحق منك عناء الإبحار.

صباحٌ للقلوب الصامدة التي لم تزدها الطعنات إلا رفعة، وللنفوس التي آثرت كرامتها فغادرت دون التفات. صباح الأمل للذين ضمدوا جراحهم بأنفسهم، ووقفوا من جديد كأشجارٍ راسخة لا تهزها الرياح العابرة.

Scroll to Top