«حنّة»… ضحكة على حافة الهاوية في زمن الانكسارات

زلفا عسّاف

لا تدخل مسرحية «حنّة» إلى الخشبة لتروي حكاية عابرة أو لتقدم شخصية تبحث عن تعاطف الجمهور، بل تفتح مساحة للتأمل في الإنسان حين يصبح وجوده نفسه موضع اختبار. على خشبة مسرح المدينة، قدّم إيلي كمال كتابةً وإخراجاً عملاً يضع الضحك في مواجهة الألم، ويحوّل السخرية إلى أداة لكشف ما تختبئ خلفه الوجوه من خوف وتعب وأسئلة معلّقة.

تبدأ «حنّة» من وصول امرأة مسنّة إلى المستشفى وهي فاقدة الذاكرة، من دون اسم أو ماضٍ واضح، ما يفتح باب البحث عن هويتها وحكايتها. لكن هذا المسار لا يبقى مجرد محاولة لكشف شخصية مجهولة، بل يتحول إلى مواجهة مع أسئلة أوسع تتعلق بالذاكرة والانتماء، وبواقع الطبابة وكلفة العلاج، حين تصبح الرعاية الصحية نفسها امتحاناً للإنسان وحقه في النجاة. وبين الكوميديا والمرارة، تكشف المسرحية هشاشة شخصيات تحاول إنقاذ الآخر، فيما تحمل هي أيضاً أزماتها وانكساراتها.

تكمن خصوصية العمل في أن الكوميديا فيه لا تأتي كوسيلة للهروب من الواقع، بل كطريقة لمواجهته. فالضحكة في «حنّة» لا تلغي الوجع، بل تكشفه؛ وكل موقف ساخر يحمل خلفه تعباً متراكماً وسؤالاً أكثر قسوة عن الإنسان وقدرته على الاستمرار. إنها كوميديا سوداء تجد في السخرية مساحة لمقاربة ما يصعب قوله مباشرة.

يعتمد العرض على رؤية مسرحية تقوم على البساطة والكثافة، حيث تصبح الخشبة امتداداً لعالم الشخصيات الداخلي. السينوغرافيا لا تأتي كإطار خارجي للأحداث، بل تتحول إلى عنصر درامي يحمل إحساس الانتظار والضغط والذاكرة. فالفضاء المسرحي لا يكتفي باحتضان الحكاية، بل يشارك في كشف حالاتها النفسية، فيما يصبح الفراغ والصمت جزءاً من لغة العرض.

وتكمن قوة «حنّة» أيضاً في بناء شخصياتها بعيداً عن النمطية. فالشخصية الرئيسية لا تختصر في كونها امرأة فقدت ذاكرتها، بل تتحول إلى سؤال مفتوح حول الهوية وما يبقى من الإنسان عندما تضيع أجزاء من ماضيه. إنها شخصية تحمل هشاشتها وقوتها في آن واحد، وتكشف أن الانكسار لا يعني بالضرورة الاستسلام.

في هذا الإطار، تمنح ندى أبو فرحات الشخصية حضورها العميق من خلال أداء يعتمد على التفاصيل الدقيقة في الصوت والجسد والإيقاع. فهي لا تقدم «حنّة» من الخارج، بل تكشف طبقاتها الداخلية، حيث تصبح النظرة والصمت والحركة الصغيرة أدوات تعبير موازية للكلمة. لا تستجدي الشخصية تعاطف الجمهور، بل تدعوه إلى الاقتراب منها ورؤية الإنسان المختبئ خلف القناع.

ويكتمل النسيج المسرحي بحضور سلمى شلبي، إيلي نجيم وجويس أبو جودة، الذين يساهمون في بناء العالم الدرامي للعمل وتوسيع دائرة الأسئلة التي تطرحها المسرحية، بحيث لا تبقى الحكاية مرتبطة بشخصية واحدة، بل تصبح انعكاساً لعلاقات إنسانية أكثر اتساعاً.

لا يعتمد إيقاع «حنّة» على سرعة الأحداث، بل على التوتر بين ما يُقال وما يبقى مخفياً. فالصمت لحظة درامية، والضحكة ليست نهاية الموقف بل بداية سؤال جديد. ويحافظ العرض على توازن دقيق بين الكوميديا والمرارة، فلا تتحول السخرية إلى سطحية ولا يصبح الألم خطاباً مباشراً.

كما أن اللغة المسرحية، القريبة من الحياة اليومية، تتجاوز الحوار العادي لتصبح وسيلة لكشف المخاوف والرغبات والخيبات التي تختبئ خلف الكلمات. فالجمل البسيطة تحمل طبقات أعمق، وطريقة الكلام نفسها تصبح جزءاً من بناء الشخصيات ومن كشف علاقتها بالعالم المحيط بها.

تتجاوز «حنّة» حدود الكوميديا لتصبح تأملاً مسرحياً في معنى الوجود حين تتصدع ركائزه الأساسية: الذاكرة، الجسد، والقدرة على طلب النجدة. إنها مسرحية تجعل من الضحك طبقة أولى تخفي خلفها أسئلة أكثر عمقاً عن الإنسان، عن حقه في الرعاية، وعن الخوف من أن يفقد ملامحه الإنسانية فيُختزل إلى رقم أو ملفّ أو حالة تنتظر من يعيد إليها اسمها وحكايتها.

Scroll to Top