زلفا عسّاف
بعد نحو عشرين عاماً على تقديمهما «تشي غيفارا»، عاد الأخوان فريد وماهر الصبّاغ إلى عالم الثورة والرموز الكبرى من خلال «أنا وغيفارا»، في إعادة كتابة ومعالجة جديدة لمشروعهما المسرحي، لا تتعامل مع شخصية تشي غيفارا كأيقونة جاهزة، بل تعيد النظر في المسافة بين الحلم الثوري والواقع الإنساني الذي يرافقه.
لم تكن المسرحية مجرد استعادة لسيرة تاريخية أو إعادة رسم لشخصية ارتبطت بمرحلة سياسية محددة، بل جاءت كقراءة مسرحية تضع الماضي أمام أسئلته المتجددة: ماذا يحدث للأفكار الكبرى عندما تصطدم بتعقيدات الإنسان؟ وكيف يمكن للحلم بالعدالة أن يحافظ على إنسانيته وسط صراعات السلطةوالعنف؟

في “أنا وغيفارا”، اختار الأخوان الصبّاغ المسرح الغنائي لغة أساسية لبناء العالم الدرامي. فالغناء لم يأتِ كعنصر تزييني أو كاستراحة بين المشاهد، بل أصبح جزءاً من السرد نفسه، يحمل الانفعالات الداخلية للشخصيات، ويكشف ما تعجز المواجهات المباشرة عن قوله. فالأغنية هنا تستعيد وظيفة المسرح الغنائي الحقيقي: تحويل الفكرة إلى إحساس، والتاريخ إلى تجربة حية تتشارك فيها الكلمة والصوت والجسد.

وتمنح الموسيقى العرض بعدا يتجاوز التوثيق، إذ ترافق التحولات النفسية والفكرية للشخصيات، وتبني جسراً بين الخاص والعام؛ بين قصة غيفارا الشخصية وبين الأسئلة الكبرى التي تحيط بالثورة والحلم والتغيير. فحين يغني التاريخ على الخشبة، لا يعود مجرد سلسلة أحداث، بل يصبح ذاكرة مفتوحة على التأويل.

اعتمد العرض على رؤية بصرية واسعة تستفيد من طبيعة المسرح الغنائي، حيث تحولت السينوغرافيا إلى عنصر حي يرافق تحولات الحكاية. فالفضاء المسرحي لم يكن مجرد خلفية للأحداث، بل حمل أجواء الثورة والحرب والتحولات الداخلية للشخصيات، عبر صورة تجمع بين ضخامة المشهد الجماعي وحميمية اللحظات الفردية.
ويظهر الرهان الأكبر في بناء الشخصيات، إذ لم يُقدَّم تشي غيفارا وفيدل كاسترو كشخصيتين تاريخيتين ثابتتين، بل كشخصيتين تحملان رؤيتين مختلفتين للحلم الثوري ومساره. فبين اندفاع الفكرة وتعقيدات الواقع، تنشأ المسافة الدرامية التي تمنح العمل بعده الإنساني، بعيداً عن القراءة الأحادية أو التمجيد المباشر.
جسّد فريد الصبّاغ شخصية تشي غيفارا، فيما أدى ماهر الصبّاغ شخصية فيدل كاسترو، في عمل يحمل ارتباطاً خاصاً بتاريخ المشروع نفسه بعد إعادة صياغته بعد سنوات. وأضافت كارين رميا حضوراً غنائياً وعاطفياً بارزاً، فيما ساهم نادين الراسي، جوزيف آصاف، أنطوانيت عقيقي، ريمون صليبا، رفيق فخري، سبع بعقليني وألان العيلي في بناء النسيج الجماعي للمسرحية وتعزيز عالمها الدرامي.
أما الإيقاع، فبُني على التداخل بين الحوار والغناء والحركة، وبين المشاهد الفردية واللوحات الجماعية. وهو إيقاع ينتمي إلى تقاليد المسرح الغنائي الكبير، حيث لا تُقاس قيمة المشهد بالكلمة وحدها، بل بقدرة العناصر المسرحية مجتمعة على خلق حالة حسية وفكرية. وقد نجح العرض في الحفاظ على توازن بين متطلبات الفرجة الغنائية وبين الحاجة إلى إبقاء الشخصيات وأسئلتها في مركز التجربة.
ورغم ارتباط العمل بشخصية تاريخية مثيرة للجدل، فإن قوته لا تكمن في تقديم إجابة نهائية حول غيفارا أو الثورة، بل في فتح مساحة للتساؤل. فالمسرحية لا تنظر إلى الثورة باعتبارها فكرة مكتملة، بل تضعها أمام اختبار الإنسان: هل يمكن الوصول إلى العدالة من دون فقدان البعد الإنساني؟ ومتى يتحول الحلم بالتغيير إلى عبء على الذين يحملونه؟
بهذا المعنى، تجاوزت «أنا وغيفارا» حدود السيرة المسرحية لتصبح تأملاً غنائياً في العلاقة بين الحلم والواقع، بين الفكرة وصاحبها، وبين الرغبة في تغيير العالم والخطر الدائم من أن يفقد الإنسان نفسه في الطريق.
إنها مسرحية تستعيد التاريخ لا لتعيد إنتاجه، بل لتجعله يغني أسئلته من جديد؛ أسئلة ما زالت مفتوحة حول الثورة، والعدالة، والإنسان الذي يبقى دائماً في قلب كل حلم كبير.





ومع إسدال الستار على عروض “أنا وغيفارا”، يبقى ما أنجزته المسرحية، مسرحياً وغنائياً، تجربة لافتة في قدرتها على الجمع بين الفرجة والفكرة، وبين الصورة والموسيقى والأداء. ترك العرض أثره بما حمله من كثافة بصرية وغنائية، وبأسئلة تتجاوز لحظة العرض عن الثورة والعدالة والإنسان؛ أسئلة لا ينتهي صداها بانتهاء التصفيق.

