ليندا حموّرة
كلُّ ما في هذا الكون يمضي وفق هندسةٍ إلهية لا تخطئها الفطرة؛ وكأن الله أودع في كل مخلوقٍ سرَّه الخاص، ومنحه مفاتيح بقائه في المكان الذي كُتب له أن يحيا فيه.
تأملتُ الأشجار طويلًا، فاكتشفتُ أن الحياة لا تسير بقانونٍ واحد.
شجرةٌ لا تفتح أسرارها إلا للشمس، وأخرى لا تحتمل الضوء فتختبئ في الظل. نبتةٌ يحييها الماء، وأخرى يغتالها فائضه. جذورٌ تشقُّ الصخر وتعلن أن القسوة قد تكون تربةً للنجاة، وأغصانٌ لا تعرف الحياة إلا في الرمل. ماءٌ يكون رحمةً لنبتة، ويكون هلاكًا لأخرى، وملحٌ يحرق جذورًا، بينما تنبت في أعماق البحر حياةٌ أُعدّت لها، وكأن المستحيل نفسه يصبح ممكنًا حين تكون الفطرة مهيأةً له.
ذلك هو الإعجاز.
أن الله لا يخلق الأشياء متشابهة، ثم يطلب منها أن تعيش بالطريقة ذاتها؛ وإنما يمنح كل مخلوقٍ تركيبته، واحتماله، ومناخه، وسرَّ ازدهاره.
ولعلنا نحن البشر كذلك.
لسنا جميعًا صالحين للمكان نفسه، ولا للغربة نفسها، ولا للفقد نفسه، ولا حتى للحب بالطريقة ذاتها.
هناك روحٌ يقتلها الفراق، وأخرى يجعلها الفراق أكثر صلابة. إنسانٌ يسكنه البعد حتى يمرض، وآخر يتعلم منه كيف يولد من جديد. قلبٌ تكفيه كلمةٌ حانية كي يستعيد ربيعه، وقلبٌ آخر قد تهدمه جملةٌ عابرة لأن ما نراه عابرًا قد يلامس فيه جرحًا عمره أعوام.
كم نظلم البشر حين نقيس قدرتهم على الاحتمال بمقاييسنا!
نقول: “لو كنتُ مكانه لفعلتُ كذا”، وننسى أننا لسنا المكان نفسه، ولا الجذور نفسها، ولا التربة نفسها، ولا الفصول التي مرّت بها أرواحنا.
قد لا يكون الإنسان ضعيفًا حين ينهار في بيئةٍ معينة؛ ربما يكون فقط في غير أرضه.
فكما لا نطلب من زهرةٍ تحب الظل أن تتفتح تحت لهيب الشمس، لا ينبغي أن نطالب قلبًا بأن يزهر في المكان الذي يخنقه، أو أن نلوم روحًا لأنها لم تتقن العيش في مناخٍ لم تُخلق له.
ربما أجمل ما في الخلق أن الله لم يجعل لنا جميعًا الطريقة نفسها في النجاة؛ أعطى لكل روحٍ مفتاحها، ولكل قلبٍ تربته، ولكل إنسانٍ مكانًا إذا بلغه، توقّف عن مقاومة الحياة… وبدأ أخيرًا في الإزهار.
ومن هنا أدركتُ أن بعض الرحيل ليس هروبًا، وبعض البقاء ليس نجاة؛ فأحيانًا تكون أعظم حكمةٍ في الحياة أن تعرف أين لا تنتمي، وأين تستطيع روحك أن تقول: هنا… أنا بخير.

