«درجة تانية» رقصٌ على حافة الجراح

بقلم زلفا عسّاف

تصوير : كريس غفري

لا تحتاج «درجة تانية» إلى اختراع مأساة كي تكون مؤثّرة؛ فالمأساة موجودة أصلًا في التفاصيل التي تحملها سمر صالح إلى الخشبة. امرأة وُلدت لأمّ إريترية وأبٍ مصري، وكبرت في لبنان، وعرفت منذ طفولتها أن لون بشرتها يمكن أن يتحوّل، في عيون الآخرين، إلى حكمٍ مسبق على مكانتها وحقّها في أن تكون مثلهم. من هنا يبدأ العرض، لكنّه لا يبقى طويلًا في حدود السيرة الشخصية؛ إذ يحوّل تجربة سمر إلى مواجهة مسرحية مع مجتمعٍ يضع الناس في درجات قبل أن يمنحهم فرصة أن يكونوا بشرًا.

في «درجة تانية»، تقف سمر في مواجهة الجمهور من دون أن تختبئ خلف شخصية أخرى. هي لا تؤدي امرأة تشبهها، بل تستعيد نفسها أمامنا. وفي هذا الاختيار تكمن قوة المونودراما: ما يُقال ليس حكايةً عن شخص غائب، بل اعتراف حيّ يحدث في اللحظة نفسها. تتنقّل سمر بين طفولة اكتشفت فيها معنى الاختلاف، وامرأة كبرت وهي تحمل آثار تلك النظرات، لتتحوّل التجربة الشخصية تدريجيًا إلى سؤال أوسع: كيف نصنع «الآخر»؟ وكيف يمكن لنظرة المجتمع أن تتسلّل إلى الداخل حتى تصبح جزءًا من صوت الإنسان تجاه نفسه؟

وهنا ينجح العرض في التقاط واحدة من أكثر طبقات العنصرية قسوة: أنها لا تبقى دائمًا في الخارج. فحين يتكرّر الحكم على الإنسان، يبدأ أحيانًا في النظر إلى نفسه بالعين التي حكمت عليه. لذلك لا تبدو الخشبة في «درجة تانية» مكانًا لسرد الوقائع فقط، بل مساحةً لمحاولة استعادة الصوت من قبضة تلك النظرة.

إخراجيًا، يبتعد شادي الهبر عن الواقعية الثقيلة، ويفتح العرض على الخيال والموسيقى والأغنيات العربية والأجنبية، بحيث لا تأتي الموسيقى كفواصل تزيينية، بل كامتداد للحالة النفسية. أما غسان قوجة، فلا يدخل إلى المشهد بوصفه شخصية تقليدية مكتملة الملامح، بل يتحرّك في فضاء العرض بحضور تعبيري وإيمائي، أقرب إلى ظلّ أو صدى بصري لما تعيشه سمر. جسده يصبح لغةً ثانية، ويمنح التجربة بعدًا مسرحيًا يتجاوز الكلام.

وتأتي الشاشة الشفافة والصور والفيديو لتوسّع حدود الحكاية الشخصية. فبينما تنطلق «درجة تانية» من جسد سمر وصوتها وذاكرتها، تسمح الصورة بفتح هذه التجربة على تاريخ أطول من التمييز والعنصرية والاستعلاء. وهنا تصبح الشاشة امتدادًا للذاكرة، فيما يبقى الجسد الحاضر أمامنا هو الدليل الأكثر صدقًا على أن هذه القضايا لا تنتمي إلى الماضي وحده.

حتى الكوميديا تأتي في مكانها الصحيح. فهي لا تُستخدم لمحو الألم، بل لمنح الشخصية فرصةً لأن تعيش خارج دور الضحية. تضحك سمر، تغضب، تتذكّر، وتحكي عن خيباتها وعلاقاتها وتفاصيل حياتها، وكأن العرض يصرّ على أن العنصرية لا تختصر الإنسان، تمامًا كما لا تختصره الجراح التي خلّفتها. ومع ذلك، تمرّ بعض المقاطع أحيانًا في مساحة مباشرة أكثر مما تحتاجه الدراما، فيفقد النص شيئًا من التوتر الذي يخلقه حين يترك للصورة والصمت والأداء أن تقول ما وراء الكلام.

لكن «درجة تانية» تصبح أكثر اتساعًا حين تتجاوز العنصرية إلى سؤال الانتماء. فكون سمر وُلدت وعاشت وكبرت في لبنان، من دون أن تحمل جنسيته، يجعل المسألة تتجاوز لون البشرة إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ماذا يعني أن تعيش في مكانٍ ثم يُطلب منك، بصورة أو بأخرى، أن تثبت أنك تنتمي إليه؟ هنا يصبح عنوان «درجة تانية» أكثر من وصفٍ للتمييز؛ إنه حالة اجتماعية وقانونية ونفسية، يضع فيها الآخر الإنسان في مرتبةٍ أدنى قبل أن يسمع حكايته.

قيمة العرض لا تكمن في أن يقول ببساطة «لا للعنصرية»، فهذه الخلاصة وحدها لا تصنع مسرحًا. قيمته الحقيقية تظهر عندما تتحوّل القضية إلى جسد وصوت وذاكرة، وعندما يجد المتفرّج نفسه مضطرًا إلى مراجعة الطريقة التي ينظر بها إلى الاختلاف، لا إلى الاستماع فقط إلى قصة شخص آخر.

فالإنسان لا يولد «درجة تانية». هناك دائمًا مَن يضعه في هذه الخانة. والمسرح، حين يكون حيًّا كما في هذه التجربة، يستطيع أن يفتح تلك الخانة أمامنا، ويجبرنا على النظر إلى الإنسان قبل اللون، وقبل الاسم، وقبل كلّ التصنيفات التي اخترعناها كي لا نرى بعضنا كما نحن.

Scroll to Top