ليندا حمّورة
كنتُ أتأمّل عبثية هذا الوجود، حين وجدتني أقول لصديقتي: أتعلمين؟ أشعر أحيانًا أنّني أعيش في منفى لا تحدّه الجغرافيا، وأنّ الذين أعرفهم تفصلني عنهم مسافاتٌ لا تقيسها الأميال، لكن يقيسها ذلك الصراع المستعر في داخلي؛ صراعٌ بين روحٍ تتوق إلى الحياة، ووعيٍ يزداد فجيعةً كلّما أبصر العالم على حقيقته. يمضي العمر متعثّرًا بين الحروب والأزمات، حتى ليخيّل إليّ أنّنا نستهلك الحياة في انتظار لحظةٍ نتعرّف فيها إليها.ثمّ أردفتُ، وفي صوتي شيءٌ من وجع خفيّ: كيف يُورِث العاقلُ الحياةَ أرواحًا جديدةً في عالمٍ يمعن في اغتيال براءتها؟ وكيف نُهدي أطفالنا تذكرةً إلى هذا الوجود، ونحن نعرف كم يتربّص بهم من قسوةٍ ومجهول؟ضحكت صديقتي بمرارةٍ وقالت: ما بكِ؟ أراكِ أبا العلاء المعري!ابتسمتُ وقلت: لعلّني أستعير من المعري بصيرته، ومن زهير بن أبي سُلمى سؤاله الوجودي حين قال: “سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يَعِشْ…”. لم أكن أدرك يومها أيَّ أعباءٍ أثقلت روحه، أمّا اليوم، فأكاد أسمع صدى السؤال يتردّد في ضمير هذا العالم؛ كأنّ البشرية برمّتها تقف على حافّة الإنهاك، تبحث عن معنىً يستحقّ كلّ هذا العبور.لكنّني، مهما أوغل اليأس في عتمتي، أرفض أن أمنحه استسلامي. سأظلّ أنسج من خيوطه الممزّقة نسيجًا للأمل، وأستخرج من رماد الخيبات شرارةً تستعصي على الانطفاء، ثمّ أبسط من ذلك كلّه بساطًا من الجمال فوق خراب أيّامي، وأمضي.فأنا لا أراهن على عالمٍ لا يخذل، ولا على حياةٍ تخلو من الوجع؛ إنّما أراهن على تلك الروح التي تعرف كيف تنهض من بين أنقاضها، وتُزهر في وجه العدم.فما دمتُ أملك أن أزرع وردةً في خاصرة هذا الخراب، فلن أسمح للخراب أن يُقنعني بأنّ الأرض لم تعد تصلح للحياة …صباحكم حياةٌ تُزهر رغم كلّ ما يحاول اغتيالها…

