زلفا عسّاف
من يوسف مخلوف إلى مار شربل، يتتبّع نديم مهنا في فيلمه «شربل» حياة رجل لم تتشكّل شخصيّته في لحظة واحدة، بل عبر سنوات من العلاقات والتجارب والاختيارات، وصولًا إلى الرهبنة والاحتباس. وتكمن خصوصيّة هذه السيرة في أنّ نهايتها معروفة سلفًا لدى معظم المشاهدين، فيما تبقى تفاصيل الطريق إليها المجال الذي تستطيع السينما أن تشتغل عليه. لذلك، لا تقتصر أهميّة الفيلم على استعادة المحطّات الأساسيّة في حياة القدّيس، بل تمتدّ إلى ما يكشفه عن يوسف مخلوف قبل أن يصبح مار شربل، وعن الأشخاص الذين تركوا أثرهم في تكوينه، وعن الحياة التي ابتعد عنها حين اختار الانصراف إلى الصلاة والتنسّك.
ببدأ هذا الطريق من بقاعكفرا، حيث تحتلّ الطفولة مساحة تتجاوز تقديم البدايات. فالأمّ، بكلامها لابنها وبما تغرسه فيه منذ صغره، تحضر بوصفها جزءًا من الذاكرة التي ترافقه في مراحل حياته اللاحقة. ولا يعود حضورها مجرّد تفصيل عائلي في سيرة دينيّة، بل يربط الطفل بالرجل الذي سيصبحه، ويمنح التحوّل امتدادًا إنسانيًّا. فالشخصيّة لا تُبنى فقط من القرارات الكبرى التي تغيّر مسارها، بل أيضًا من العلاقات التي تترك أثرها في الداخل، وتظلّ حاضرة حتى بعد أن تتغيّر الحياة وتتّخذ مسارًا مختلفًا.
ويتّسع هذا العالم العائلي من خلال دور الحضور الطاغي لعم “يوسف” طانيوس ، الذي يؤدّي دوره أليكو داود، وشقيق ” يوسف” بشارة، الذي يجسّد شخصيّته نزيه يوسف. ولا تأتي هذه الشخصيّات لتملأ الفراغ حول البطل فحسب، بل لتعيد وضعه داخل عائلة ومجتمع عاش فيهما قبل أن يختار الابتعاد. فقرار الانسحاب إلى الحياة الرهبانيّة لا يفقد معناه الإنساني حين نرى ما يسبقه من روابط، بل يصبح أكثر دلالة عندما نلمس ما تعنيه هذه الروابط في حياة يوسف، وما يرافقه منها في رحلته اللاحقة. ومن هنا، تكتسب العلاقة بين أفراد العائلة أهميّتها، لأنّها تمنح التحوّل جذورًا إنسانيّة، وتجعل الابتعاد عن العالم مرتبطًا .بحياة عاشها يوسف فعلًا، لا بصورة مجرّدة عن الزهد والعزلة
ومع تقدّم الحكاية نحو الاحتباس، يعيد الفيلم تشكيل شخصيّات مرّت في حياة شربل، ويمنحها حضورًا ضمن مساره الروحي. تتداخل بذلك الحياة التي عاشها يوسف مع الوجوه التي عرفها، ومع ما تركته تلك اللقاءات في تجربته. وهذه العودة إلى الشخصيّات تربط العزلة بما سبقها؛ فالاحتباس، على الرغم من ابتعاده المكاني عن العالم، لا يمحو الحياة السابقة ولا يلغي أثرها. بل إنّ فهم هذا الانكفاء يظلّ مرتبطًا بما نعرفه عن الإنسان الذي اختاره، وعن محيطه وعلاقاته وذاكرته. وتكمن أهميّة هذا الجانب في أنّ الطريق إلى التنسّك لا يظهر منفصلًا عن الحياة، بل يأتي امتدادًا لمسار حمل في داخله أثر العائلة والبيئة والأشخاص الذين عبروا حياته.
وتسهم كتابة كلوديا مرشليان، على مستوى الشخصيّات والحوار، في رسم هذا المحيط المتعدّد. فإلى جانب الأمّ التي تؤدّي دورها كارول الحاج في مرحلتي الطفولة والشباب، فيما تجسّد رندة كعدي الشخصيّة في العمر المتقدّم، تظهر مرشليان نفسها في دور الأمّ أورسولا، رئيسة الدير التي عرفت القدّيسة رفقا. ويؤدّي طوني معلوف دور القدّيس نعمة الله الحرديني. وتربط هذه الشخصيّات مسار شربل بعالمه الإنساني والرهباني، وتمنح السيرة امتدادًا يتجاوز حياة فرديّة إلى محيط ديني واجتماعي كان جزءًا من الزمن الذي .عاش فيه
لكنّ تعدّد الشخصيّات والمراحل يضع الفيلم أمام تحدٍّ أساسي في بناء بطله نفسه. فقد اختار مهنا أن يوزّع دور مار شربل على أربعة ممثّلين: لوكاس كفوري في الطفولة، وجوزيف الخوري في مرحلة الشباب الأولى قبل دخول الدير، وجيري غزّال في مرحلة الرهبنة، والأب روكز الحاج في العمر المتقدّم. ويجعل هذا الاختيار الزمن جزءًا من بناء الشخصيّة، لا مجرّد خلفيّة تمرّ عليها الأحداث. فكلّ انتقال يقتضي من الممثّل الجديد أن يحمل شيئًا من المرحلة السابقة، وأن يجعل التغيّر في العمر متصلًا بتغيّر التجربة، من دون أن تنقطع وحدة الشخصيّة بين وجه وآخر.
وتزداد أهميّة هذا الاختيار لأنّ الفيلم لا يتابع تغيّر الملامح وحده، بل ينتقل بيوسف من عالم الطفولة والعلاقات العائليّة إلى حياة الرهبنة، ثمّ إلى الاحتباس. وهذه مراحل تتبدّل فيها علاقة الشخصيّة بالمكان وبالآخرين وبنفسها. لذلك، لا يُقاس نجاح تعدّد الممثّلين بالتشابه الخارجي فحسب، بل بقدرتهم، ضمن الرؤية الإخراجيّة، على تقديم تحوّل متدرّج يجعل كلّ مرحلة متّصلة بما سبقها. فالمشاهد يحتاج إلى أن يرى في الراهب والرجل المتقدّم في العمر أثر الطفل والشاب اللذين عرفهما في بداية الحكاية، وأن يشعر بأنّ ما تغيّر في الظاهر لا يلغي استمراريّة الحياة الداخليّة.
وتضمّ المجموعة التمثيليّة، إلى جانب أبطال السيرة، يوسف حدّاد، ونقولا دانيال، ويارا زخور، وأسعد حدّاد، وأسعد رشدان، وجان قسيس، وسليم حلال، وسمير عوّاد، إلى جانب ممثّلين آخرين يشاركون في رسم العالم الذي عاش فيه يوسف مخلوف. ويكتسب حضور هذه المجموعة أهميّته بقدر ما يسهم في إضاءة محطّات حياته وعلاقاته، وربط مساره الفردي بالمحيط العائلي والاجتماعي والرهباني الذي احتضن تحوّلاته.
على المستوى البصري، يعمل مهنا على إعادة تشكيل الحقبة من خلال المواقع والديكورات والأزياء، وصولًا إلى معالجة الصورة بعد التصوير وإزالة بعض العناصر المعاصرة من المواقع. وهذا الاشتغال ليس تفصيلًا تقنيًّا هامشيًّا في فيلم تاريخي؛ فالإحساس بالزمن يتكوّن من تفاصيل المكان بقدر ما يتكوّن من الحوار والملابس. غير أنّ الاستعادة التاريخيّة لا تكتمل بمحو آثار الحاضر من الصورة وحده، بل حين يصبح المكان جزءًا من تجربة الشخصيّات، ويواكب انتقالها من بيئة الطفولة والعائلة إلى فضاء الدير والاحتباس. فالمكان هنا ليس مجرّد خلفيّة للأحداث، بل هو جزء من المسافة التي تقطعها الشخصيّة بين حياة أولى اختبرتها بكلّ ما فيها من علاقات، وحياة اختارت فيها الابتعاد والتفرّغ للصلاة.
وترافق موسيقى شربل روحانا هذا المسار الذي تتراجع فيه الحركة الخارجيّة كلّما اقتربت الحكاية من العزلة. وتفرض طبيعة الموضوع حساسيّة خاصّة في العلاقة بين الموسيقى والصورة؛ فالصلاة والتأمّل لا يحتاجان دائمًا إلى تصعيد انفعالي، بل قد تكون مساحة الصمت جزءًا أساسيًّا من التعبير. وتبرز أهميّة الموسيقى في قدرتها على مواكبة المشهد من دون أن تفرض عليه شعورًا جاهزًا، تاركةً للصورة أن تنقل سكون الشخصيّة وتأمّلها. فكلّما اقترب الفيلم من العالم الداخلي لشربل، ازدادت الحاجة إلى أن .تتكامل العناصر السينمائيّة في التعبير عنه، من دون أن تطغى إحداها على الأخرى
لا تكمن قيمة «شربل» في استعادة سيرة شخصيّة راسخة في الذاكرة اللبنانيّة فحسب، بل في محاولته الاقتراب من الإنسان خلف هذه الصورة، من خلال عائلته وطفولته والشخصيّات التي رافقته، ثمّ المراحل التي قادته إلى الرهبنة والاحتباس. فالكلمات التي سمعها في طفولته، والعلاقات التي عاشها، والوجوه التي عرفها، ليست تفاصيل منفصلة عن حياته الروحيّة، بل أجزاء من المسار الذي قاده إلى اختياره. ومن هنا، تصبح السيرة أكثر من سرد لمحطّات معروفة؛ إنّها محاولة لربط التحوّل بما سبقه، ورؤية الطريق إلى مار شربل من خلال حياة يوسف مخلوف نفسها.
أمّا سينمائيًّا، فيظلّ تماسك هذه العناصر، من تعدّد الممثّلين إلى بناء الزمن والمكان والإيقاع، أساسيًّا في منح السيرة قدرتها على الوقوف كعمل درامي مستقلّ، لا كاستعادة مصوّرة لشخصيّة يعرف المشاهد نهايتها قبل أن تبدأ الحكاية.
ويبدأ العرض التجاري لفيلم «شربل» في الصالات السينمائيّة في 22 تشرين الأوّل 2026.

