زلفا عساف
حين يرفع الستار على مسرح دوار الشمس في إعادة تقديم مسرحية “وسكتت عن الكلام المباح” لعصام أبو خالد، يجد المشاهد نفسه أمام تجربة مسرحية غير اعتيادية: عرض يطرح قضية مألوفة، العنف الأسري ضد المرأة، لكنه يعيد صياغتها بلغة مسرحية مبتكرة، تفكك الكلام، وتستثمر الصمت، وتوظف السخرية السوداء كأداة تفكيك أخلاقي ولغوي.

عصام أبو خالد، الذي يجمع بين الكتابة والإخراج والتمثيل، يصنع شخصية رجل يتحدث كثيرًا، لكن كلامه ليس مجرد سرد؛ إنه آلة لإعادة صياغة الواقع على مقاسه. يتلاعب بالمفاهيم، يبرر الأفعال، يصوغ القسوة بأسلوب لغوي يبدو شاعرًا أو لطيفًا، بينما هو في جوهره محاولة لإخفاء العنف تحت ستار الكلام. هذا المخرج الذكي يعيد للمشاهد إدراك أن الخطاب نفسه قد يكون أداة للسيطرة، وأن اللغة يمكن أن تُصبح قفازًا حريريًا يخفي قبضتها الحديدية.
في المقابل، تبرز برناديت حديب، زوجة الشخصية الرئيسية، كقوة عكسية صامتة. طوال المسرحية، تمتد لحظات صمتها لتصبح مركز الجاذبية الحقيقي؛ فالعينان، والإيماءات الصغيرة، وحركة الجسد تحكي أكثر مما يمكن للكلمات أن ترويه. الصمت هنا ليس فراغًا، بل مساحة من التعبير المكثف، حيث تتحدث التفاصيل الصغيرة عما يُصادر من صوت المرأة، ويكشف عن الواقع الاجتماعي الذي يطمس حكايتها اليومية.
المسرحية لا تكتفي بتقديم العنف كفعل ملموس، بل تستعرض آلياته الفكرية والاجتماعية؛ كيف يبرر المجتمع القسوة، وكيف يتلاعب المنطق ليصوغ “الضرر المقبول” و”الضرر غير المقبول”. الطبيب الشرعي، والمعالج بالموسيقى، ومساعد الطبيب الشرعي، كلهم يمثلون محاولات متعددة للتدخل أو التخفيف، لكنها تصطدم بصوت العنف العالي الذي يفرض نفسه، وبالنهاية، صمت المرأة يظل أقوى من كل خطاب رسمي أو تدخل حسن النية.
أحد أبرز نجاحات العرض هو استخدام السخرية السوداء: يضحك المشاهد، ثم يتراجع أمام حقيقة الفعل، أمام القسوة المبررة، أمام كلمات تُغسل بها الدماء. هذه السخرية لا تلهو، بل تكشف، تفكك الخطاب، وتضع المشاهد أمام مسؤولية التأمل في الثقافة الاجتماعية التي تجعل العنف ممكنًا، مقبولاً، أو قابلاً للهضم فقط إذا صيغ بشكل محدد.

“وسكتت عن الكلام المباح” ليست مجرد عرض عن العنف ضد المرأة، بل درس في اللغة والسلطة والصمت. هي دعوة للمشاهد للتفكير في اللحظات التي استسلم فيها لصوت أعلى، التي صفق فيها للحكاية لأن“وسكتت عن الكلام المباح”: مسرحية تكشف لغة العنف وصمت المرأة من يتحدث كان الأكثر قوة، بينما كانت الحقيقة الصامتة وراء الأ ضواء أكثر تأثيرًا وإيحاءً. المسرحية تقدم تجربة متكاملة للفك والتأمل، حيث يصبح الصمت، والنبرة، والحركة أدوات مسرحية تكشف ما لا يمكن للكلمات وحدها أن ترويه.
في 17 يناير 2026، وقف العالم عند الرياض لحظة غريبة ومتألّقة في آنٍ واحد JOY Awards تلك الليلة التي لا تُقرأ كقائمة أسماء فائزة فحسب، بل كقصة كاملة عن كيف يفكّر الجمهور اليوم، وما الذي يقدّره فعلًا في الفن والإبداع.
الحدث الذي أصبح جزءًا من تقويم الترفيه المعاصر ، بدا هذا العام أكثر اتساعًا في رؤيته، وأكثر جرأة في اختياراته، وأعمق في رسالته.
ما يربط جوائز JOY Awards 2026 بقلب الحدث هو إحساس قوي بأن القيمة ليست في الشهرة وحدها، بل في الرسالة التي يحملها العمل وشدّة صلته بالجمهور:
- شخصية العام لم تكن مجرد عنوان فخري، بل إعلان عن شخصية أثرت في المشهد الثقافي العالمي وقد اختيرت Millie Bobby Brown في هذا الموقع، لتجمع بين حضور عالمي وتواصل مع الجمهور عبر أعمالها الفنية.
- جائزة الإنجاز مدى الحياة ذهبت إلى أسماء تركت بصمة طويلة في تاريخ الفن، مثل Forest Whitaker وFarouk Hosny، في لحظة كأنها تهمس بأن الإبداع لا يقاس بعمر الحفل فقط، بل بقيامة من جاء قبله ومن منح الصناعة تراثًا يتوارثه الفنانون.
بينهما وسّطت جوائز الشرف والاعتراف الماسي أسماء صنعت طرقها الخاصة في الصناعة، أولئك الذين لا يتحدثون فقط على المسرح، بل يجعلون المسرح نفسه منصّة لقصص أكبر
الدراما والسينما: قصص تنبض بالحياة
لحظة إعلان الجوائز في فئات الدراما والسينما كانت كأنها قراءة جماعية لنبض المشاهد العربي:
- Siko Siko تُوّج كـ أفضل فيلم، وهو ما عبّر عن توازن بين الجمالية الفنية ورسالة العمل التي تحدثت إلى عقل المشاهد قبل قلبه.
- شجون الهاجري وماجد الكدواني حصلا على جوائز أفضل ممثلة وممثل في السينما، في اعتراف صريح بأن الأداء المتقن هو ما يصنع الفارق بين رؤية الفيلم ورؤيته في الذاكرة.
- على الجانب التلفزيوني، أعمال مثل “شارع الأعشى” فازت في فئة المسلسل الخليجي، وهي لحظة تؤكد أن الدراما التي تقرأ المجتمع وتخاطب تفاصيله تحظى بتقدير أعمق.
الموسيقى والمؤثرون: الجمهور جزء من الحكاية
في الموسيقى، لم تكن الجوائز مجرد ألقاب بل تتويج لمسار فني يلامس حياة الناس. فنان مثل محمد فاضل شاكر حصد لقب أفضل فنان جديد، في دليل واضح على أن الجمهور اليوم يُكافئ الصوت الذي يربط بين الذكرى واللحظة الراهنة.
ومن جانب آخر، جوائز المؤثرين مثل فوز ريان الأحمري ورتيل الشهري أبرزت أن السوشيال ميديا باتت جزءًا لا يتجزّأ من نسيج المشهد الفني، إذ يصنع المحتوى اليوم ثنائيات جديدة بين الجمهور والفنان تجري خارج إطار الشاشة التقليدية.
بين الاحتفال والتغيير: ما بعد اللحظة
أكثر ما يلفت الانتباه في هذه النسخة من الجوائز هو الانفتاح على مسارات جديدة في صناعة الترفيه: من تكريم الرياضيين، مثل ليلى القحطاني التي نالت جائزة أفضل رياضية رغم التحديات، إلى اللحظات التي تتجاوز التكريم الشكلاني وتصل إلى تفهم جديد للنجومية والإلهام.
في النهاية، JOY Awards 2026 لم تكن فقط بطاقة موسم آخر من الترفيه كانت لحظة وعي ثقافي جماعي، احتفالٌ بما نقدّره في الفن فعلاً، وكيف يمكن أن يتجاوز الاحتفاء مجرد الجائزة إلى حكاية يرويها كل جمهور بطريقته.
افتتح وزير الثقافة غسان سلامة، المؤتمر الصحفي لمهرجانات بعلبك الدولية للتّرحيب بالحضور، والإعراب عن حماسه للشراكة الثقافية الدولية المُعلن عنها. وأشاد بهذه المبادرة باعتبارها خطوة هامّة في تعزيز حضور لبنان الثقافي على الساحة الدولية، مؤكّدًا دعمه المطلق لمهرجانات بعلبك الدولية، ومُسلّطًا الضوء على دوره التاريخي كرمز للتميز الفنّي والصمود والفخر الوطني.
وعقب كلمة الوزير، توجّهت السيدة نايلة دو فريج، رئيسة مهرجانات بعلبك الدولية، إلى الحضور، للإعلان عن “خطوات إيجابية تحمل معها للمستقبل مشاريع ثقافية واعدة. في وقتٍ أصبح فيه الأمل والإبداع أكثر أهمية من أيّ وقت مضى، نحتفل اليوم بشراكة تجمع بين مؤسستَين ثقافيّتيَن دوليتَين لا تهدف الربح، يوحّدهما التزام مشترك قائم على التميّز الفنّي والإبداع والحوار الثقافي.”وفي وقتٍ تزداد فيه أهمية الأمل والإبداع أكثر من أي وقت مضى نحتفل اليوم بشراكة بين منظمتَين ثقافيتَين دوليتين غير ربحيتين، تجمعهما التزام مشترك بالتميّز الفنّي والإبداع والحوار الثقافي، نُعلن بالمناسبة حفل موسيقي – سينمائي تكريمًا لغابرييل يارد، نفتَتِحُ به المهرجانات.”
تجمع تلك الشراكة بين مؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون
(Abu Dhabi Music & Arts Foundation – ADMAF)، وهي مؤسسة رائدة تعمل على تعزيز الفنّ والتربية والثقافة والإبداع في إطار الرؤية الثقافية لأبوظبي والإمارات العربية المتحدة،
ومهرجانات بعلبك الدولية ومهمتها تحفيز الحياة الثقافية والسياحيّة في لبنان،
و”يضع هذا التعاون موارد وجهود كلا الطرفين لتحقيق أقصى قدر من الترويج لهذه الفعاليات وتأثيرها وتوسيع نطاقها، ومواصلة البحث عن فرص إبداعية جديدة.”
هذا التعاون، الذي بدأ عام 2011 بقيادة الرئيسة الثالثة للمهرجان، السيدة مي عريضا، يتوّج اليوم باحتفالات
الذكرى السبعين للمهرجانات.
حفل الافتتاح، 24 تمّوز: حفل موسيقي- سينمائي، تكريمًا لغابرييل يارد
بمناسبة احتفالها بالذكرى السبعين لتأسيسها، تفتح مهرجانات بعلبك أبوابها أمام الفنان الفرنسي-اللبناني غابرييل يارد، أحد أعظم المؤلفين الموسيقيين المعاصرين. ويُعدّ يارد الفنان اللبناني الوحيد الذي نال جائزتي الأوسكار والسيزار، وقد رُشِّح مرات عدة لجوائز السيزار، كما حصد العديد من الجوائز والتكريمات في مختلف أنحاء العالم.
تجمع ليلة الافتتاح، في 24 تموز، في انتاج مشترك ومهرجان أو ظبي الأوركسترا الكبيرة لبودابست The MÁV Symphony Orchestra وعازفين منفردين أوروبيين، وجوقة جامعة الأنطونيّة، وغابرييل يارد على البيانو. مصحوباً بمقاطع سينمائية تُعرض على جدران المعبد العريقة. تزامنًا، يتمّ عرض مقتطفات من أفلامٍ على جدران معبد باخوس المعمّرة، مما يولّد تجربة فريدة تتفاعل فيها الصورة مع الموسيقى.
منذ باكورة مسيرته، وجد غابرييل يارد في بعلبك مصدر إلهام، وفي طبيعة الحال، كان للمهرجانات أن تفتتح سبعينياتها مع أحد أكبر المؤلّفين المعاصرين.
وأعربت رئيسة المهرجانات عن شكرها العميق لمؤسس مجموعة أبو ظبي للثقافة والفنون على دعمها.
قالت هدى إبراهيم الخميس، مؤسس مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، المؤسس والمدير الفني لمهرجان أبوظبي: “نلتقي اليومَ بفَخْرٍ واعتزاز لنحتفي بما تمثّلُهُ مهرجانات بعلبك الدولية من مُنجَزٍ عبـــر السنين. مُتضامنينَ، نُجسِّدُ إيمانَنا وواجِبنــا المُشتـــرك، بضَرورة تكريم مهرجاناتِنا الثقافيّة، ومؤسساتنا الفنية وصُروحنا الحضاريّة”.
وتابعت: “بعَراقة مهرجانات بعلبك، المُتـــجذّرة في كَيان لبنانَ وروحِ شعبِهِ، سنخاطب معاً العالم من جديد، ونحتفي بها في الذكرى السبعين لتأسيسها، مع فنانٍ كبير، لبنانــيّ الجُذور، عالميِّ الإبداع، غابرييل يارد، المؤلف الموسيقيّ الحائز على الأوسكار، وسيزار، والغولدن غلوب، والغرامي، والبافتا، وجائزة مهرجان أبوظبي، لأعمالِهِ العظيمة، وموسيقاهُ التصويرية لأكثر من 70 فيلمًا في السينما الفرنسية والأمريكية”.
وأضافت: “تسمو موسيقى غابرييل يارد بأرواحنا، وتحلّق بنا في فضاءات الإبداع، ببَصْمَته المُتَفرِّدة، ونبضِ إيقاعِهِ، بإحساسه العميق، بما تحفظُهُ الذاكرة، وما يستعيدهُ الحنين والألفة، مُتجذّراً في روحِ لبنانَ وقِيَمِ المشرِق”.
وختمت بالقول: “تتويجاً لشراكتِنا مع مهرجانات بعلبك الدولية منذُ عام 2011، يُشكّلُ هذا الإنتاج المشترك لحظةً مُضيئةً، تُجسِّدُ جوهرَ رؤيتِنا، ورسالةَ مهرجان أبوظبي؛ في عالم الثقافة، إنّ الشراكات لا تكونُ في الموارِدِ فقط، إنها لقاءُ الفكرِ، والاستثمارُ في الإبداع. وبكلِّ محبةٍ، نبقى على عَهْدِ تمكين النهضة وبناء الحضارة”.
مهرجان ذو شهرة دولية يحتفل بسبعينياته
تأسّست مهرجانات بعلبك الدولية عام 1956مع عروض دولية للموسيقى الكلاسيكية والمسرح، وسرعان ما أصبحت رائدةً في المنطقة، مدفوعًا برؤية الرئيس كميل شمعون وزوجته زلفا، وبمساندة رعاةٍ محبّين للفن والجمال.
ومنذ عام 1957، أدى إدخال عرض لبناني بمشاركة فيروز والأخوين رحباني إلى ولادة الليالي اللبنانية، التي كشفت على مرّ السنوات عن مواهب لبنانية كبيرة. وقد تعاقب منذ ذلك الحين فنانون دوليون ومحليون على مسارحنا، في حوارٍ جمع بين الموسيقى الكلاسيكية والمسرح والرقص والأوبرا والجاز.
وبعد التوقف الذي فرضته الحرب، استأنفت المهرجانات نشاطه عام 1997، محافظًا على التزامه بالتميّز، ومستلهمًا روح المثابرة والإبداع الثقافي، رغم المحن التي يمرّ بها البلد.
اعطت السيدة دي فريج الكلمة للسيد يارد وختمت قائلة: “إنّ جمال معبدي باخوس وجوبيتر وهيبتهما يوفّران إطارًا رائعًا. لا يكفيان وحدهما، فهما يتطلّبان عروضًا قادرة على مجاراة هذه العظمة ليتحقّق عندها فقط السحر.”
مداخلة السيد غابرييل يارد
إنّ تقديم أيّ فنّان لعرض في مهرجانات بعلبك الدولية يُعدّ حلمًا لأنّها، من أعرق المهرجانات في العالم، والأوّل في منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لي، كمؤلف موسيقي لبناني، فإنّ العزف في قلب تلك المعابد العريقة للمرّة الأولى هو فرح عظيم وشرف كبير! ورغم أنّ مصطلح “المقاومة الثقافية” قد يبدو مستهلكًا، إلا أنّه ينطبق تمامًا على مهرجانات بعلبك ومنظميه، الذين يُصرّون على الاحتفال بالذكرى السبعين، رغم كلّ الصعاب!
وأخيرًا، فإنّ هذه الشراكة بين مؤسستَين كبيرتَين في خدمة الفنون والموسيقى، مهرجانات بعلبك ومهرجان أبوظبي، تبدو لي طبيعية تمامًا وتملأني فرحًا.
وأحيّي حضور ومشاركة مهرجان أبوظبي في هذا الحفل، بشخص السيدة هدى الخميس كانو التي سبق لي أن تشرفت بلقائها والتعرّف إليها.
زلفا عسّاف
«القرنة البيضا» مسرحية كتبها وأخرجها يحيى جابر، وتؤديها الممثلة ماريا الدويهي. تدور أحداثها في شمال لبنان، بين قريتي إهدن وزغرتا، لتروي حكايات نساء وأسر، بين الماضي والحاضر، بين الأسطورة والواقع.

تتناول المسرحية رحلة شابة تُدعى تريزا، التي تجسد بحث المرأة عن ذاتها وسط قيود مجتمع محافظ، حيث تُفرض عليها حدود صارمة باسم الدين والعادة. من تعرضها للظلم داخل بيتها، مروراً بما تواجهه في محيطها، وصولاً إلى رحلتها الخارجية إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الحرية والحياة، تتشابك هذه الحكايات مع التاريخ الجماعي للمنطقة، لتصبح المرأة هنا ذاكرة ناطقة للمكان والتاريخ والخيارات المحكومة بعادات صارمة.
في «القرنة البيضا»، لا يقدّم يحيى جابر مسرحية بالمعنى التقليدي، بل يكتب عن مكان يتحوّل إلى منظومة كاملة، منظومة تنبض بتاريخها وعاداتها وسلطتها غير المعلنة، وتفرض على أفراده، خصوصاً النساء، حدوداً يصعب الخروج عنها. إهدن وزغرتا هنا ليستا قريتين شماليتين يمكن النظر إليهما من الخارج، بل منظومة اجتماعية متكاملة، لها قوانينها غير المرئية، وطقوسها اليومية التي تحكم الأفراد بلا تصريح.
النص لا يسرد الحكايات كوقائع منفصلة، بل يتركها تتشابك وتتمازج كما لو أنّها اعترافات متأخرة لمجتمع بأكمله. كل صوت يحمل صدى الأجيال السابقة، وكل فعل يومي يُفهم في ضوء ما سبق. التاريخ لا يظهر كأرشيف منتهي، بل كقوة حاضرة ما زالت تشكّل الخيارات وتفرض الحدود.
القديسون، الكنائس، البطولات القديمة، جميعها أدوات ضبط غير مرئية، تمنح الذكورة سلطة أخلاقية واجتماعية، وتفرض الصمت على من لا يُسمح له بالحديث.
وسط هذا العالم، تقف المرأة في قلب الصراع. ليست مجرد شخصية، بل حاملة لذاكرة ثقيلة ومجموعة من الحكايات المتشابكة. جسدها ومساحة حريتها خاضعة لمعايير المجتمع: الزواج، الإنجاب، الذكور، كل ذلك شروط لاكتساب القيمة. القمع لا يُقال بصراحة، لكنه يتسلّل عبر الطقوس اليومية، الدعاء، الصمت والخوف المتوارث. قوة النص تكمن في كشف العنف الموروث بهدوء، دون شعارات أو خطابية، ليصبح جزءاً من الجو العام للعرض.
المونودراما ليست قراراً شكلياً، بل امتداد طبيعي لفكرة العزلة. ماريا الدويهي وحيدة على الخشبة، تتنقّل بين الشخصيات والأصوات من دون أن تفقد مركزها، وحضورها يمتد إلى الغناء، حيث يكمّل الصوت السوبرانو الحقائق ويمنح النص أبعاداً إضافية من التعبير، ما يجعل الأداء مشبعاً بالصدق والإحساس.
أداؤها قائم على تركيز داخلي عالٍ، وانضباط، وعلاقة مباشرة بالنص والمكان. وفي اللحظات التي تسمح فيها لنفسها بالتحرر من قيود الضبط، يتحوّل الأداء إلى اعتراف حيّ، ويصبح الجسد أداة للحقيقة والصدقية، لا مجرد وسيلة للتمثيل.

السينوغرافيا شديدة التقشّف، لكنها محكمة: إطار خشبي، أقمشة، وصينية. عناصر قليلة تُترك مساحة للذاكرة والجسد والصوت لملء الفراغ. الغناء، حين يظهر، ليس للزينة، بل كامتداد درامي للخطاب، كأن الصوت يصبح الحاجة الأخيرة للتعبير حين تعجز اللغة عن حمل ثقل الحكاية.
مع تقدّم العرض، تتراكم المشاهد وتتكثف، بعضها يمرّ بهدوء، وبعضها يترك أثراً ثقيلاً، حتى تصل التجربة إلى لحظات ذروة يتلاقى فيها الجسد والطقس والذاكرة والعنف الموروث في مساحة واحدة. هذا التكثيف يجعل ما يليه يبدو أخف وطأة، ليس ضعفاً، بل نتيجة طبيعية لثقل ما سبق.
من حيث البناء، الإيقاع متنوّع. هناك لحظات تتشكل تدريجياً، وانتقالات تُترك أحياناً لمواجهة الخشبة والصمت، ليشعر المتفرّج بالإصغاء الكامل والمباشر، كما لو أنّ العرض يضعه في قلب المكان مع الشخصيات، يشارك في التوتر والانفعال.
«القرنة البيضا» ليست عرضاً مريحاً أو سهلاً. هي عمل يضع الانتماء تحت السؤال، ويكشف ثمنه الباهظ، خصوصاً على النساء، من دون ادّعاء الحلول أو الانتصار.
يؤكّد يحيى جابر أنّه يعرف كيف يحوّل الجغرافيا إلى سؤال حي، والموروث إلى مادة نقدية حية، فيما تثبت ماريا الدويهي قدرتها اللافتة على حمل نص ثقيل ومشحون بالعاطفة والمعنى، وحتى في لحظاته الأكثر قسوة.
هو عرض يُشاهَد ليس للمتعة وحدها، بل ليذكّرنا بأن المسرح، حين يكون صادقاً، قادر على أن يكون مرآة حقيقية، صعبة، وضرورية.
للمرة الأولى منذ أكثر من عشر سنوات، يشارك لبنان في مهرجان المسرح العربي ضمن دورته السادسة عشرة، من خلال عرض مسرحية
«بيك نيك عَ خطوط التماس» للكاتب ريمون جبارة،
إخراج جوليا قصّار،
إنتاج جوزيان بولس،
وبطولة جوزيف اصاف، مايا يمّين، جلال الشعار، جوليان شعيا، لين بواب ، وجورج عون.
تشكّل هذه المشاركة عودةً ذات دلالة رمزية عميقة، وحضورًا لبنانيًا متجددًا على الساحة المسرحية العربية، يؤكد استمرارية الصوت الثقافي اللبناني رغم الأزمات والانقطاعات.
افتُتحت الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي في القاهرة، في أجواء احتفالية فنية، بتنظيم مشترك بين الهيئة العربية للمسرح ووزارة الثقافة المصرية، وتحت الرعاية السامية لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وأقيمت مراسم الافتتاح على المسرح الكبير في دار الأوبرا المصرية، بحضور معالي وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، إلى جانب نخبة من الشخصيات الثقافية العربية.
وفي كلمته الافتتاحية، شدّد إسماعيل عبد الله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، على مكانة القاهرة التاريخية باعتبارها الحاضنة الطبيعية للمسرح العربي، فيما أكّد وزير الثقافة دور المسرح كمساحة للحرية والتفكير والتنوير.
ضمن هذا الإطار الثقافي الرفيع، يقدّم لبنان مسرحية
«بيكنيك عَ خطوط التماس»،
وهي عمل يجمع بين البعد الإنساني والسياسي، ويتناول هشاشة الخطوط الفاصلة الإنسانية والاجتماعية والوجودية، حيث يمكن لكل شيء أن ينقلب في لحظة.
📅 12 كانون الثاني 2026
🕘 الساعة 9:00 مساءً
📍 مسرح الجمهورية – القاهرة
موعد يُسجَّل كفعل حضور فني واضح،
ورسالة مؤكدة بأن المسرح اللبناني ما زال حيًّا.

زلفا عساف
الخشبة تتسع لكل شيء: للألم المكبوت، للذاكرة المتراكمة، ولحظة التلاقي النادرة بين المقاتلين. لا وجود للحرب كدمار خارجي هنا، بل ككيان حي ينسج نفسه بين الكلمات والصمت والحركة. كل خطوة، كل نظرة تحمل ثقل الماضي، وتدعوك لتلمس الحقيقة الإنسانية خلف الانتماءات والصراعات.
‘خيال صحرا’ ليست مسرحية عن الحرب كحقيقة عابرة، إنها حالة وجودية، مساحة توقف أمام خطوط التماس، حيث يلتقي المقاتلان على لحظة هدنة، ويتحادثان بصوت الإنسانية قبل الانتماء الطائفي أو المرجعي.
كل منهما يحمل صراعًا داخليًا، ووجدانًا متأرجحًا بين الألم والأمل. جورج خبّاز وعادل كرم لا يقدمان أدوارًا فحسب، بل يحملان تجارب مجتمع بأكمله، ويعيدان تشكيلها على الخشبة بطريقة تسمح للجمهور بأن يشعر بكل طبقات الصراع. الحوار ليس مجرد كلمات، بل رحلة في الذاكرة الجماعية، حيث تتشابك الفكاهة مع الألم، الرمزية مع الواقعية، الفردي مع الجماعي. يظهر الصراع ليس كعداء، بل كتوتر متعدد الطبقات بين الذات والآخر. في كل حركة، كل نظرة، وكل صمت، يُعيد المشاهد اكتشاف الإنسان خلف الجدار الرمزي للحرب.
النص لا يقدم إجابات جاهزة، بل يخلق فضاءً لتحليل الذات والمجتمع، يطرح أسئلة عن الحرب، الصراع، التعاطف، واللقاء الإنساني. كل جملة، كل وقفة صمت، كل تفاعل بين الشخصيتين، يعيد تشكيل الوعي الجماعي والذاكرة التراكمية للمجتمع اللبناني، ويجعل الجمهور شريكًا في تجربة التفكير والتحليل، لا متلقٍّ سلبي.
الهدنة ليست توقفًا عن القتال، بل مساحة لتأمل الذات واكتشاف الآخر، لحظة يكشف فيها كل شخص عن إنسانيته. الجمهور يختبر التوتر بين الماضي والحاضر، بين ما خسره المجتمع وما زال يبحث عنه من فهم وانتماء.
الإيقاع الدرامي في المسرحية مُحكم، حيث تتوازن لحظات الصمت مع تصاعد الحوار، وتتناغم التحركات الجسدية مع اللغة الصوتية والموسيقى. كل خطوة، كل ميل، وكل تغيير في مستوى الصوت يُسهم في إعادة تشكيل إدراك الزمن المسرحي. الجمهور يشعر بأن كل لحظة على الخشبة تحاكي تدفق الحياة الواقعية: انتظار، مواجهة، هدوء، وتصعيد. هذه الدقة تجعل الزمن المسرحي أداة تحليلية للفكر والمشاعر، وليست مجرد إطار للأحداث.
الضحك يتسلل بين الألم، ليس هروبًا، بل وسيلة لاستكشاف ازدواجية الإنسان: قدرته على إدراك الذات والآخر، على البحث عن معنى وسط الخراب. كل مشهد يحفر في المشاهد إحساسًا بأن الحرب ليست مجرد حدث خارجي، بل حالة وجدانية تتخلل العلاقات، والذاكرة، والوجدان الجماعي.
‘خيال صحرا ‘تخدّر وجع الحرب، لكنها توقظ الذاكرة الجماعية، وتعيد ترتيب فهمنا للعلاقات الإنسانية والانتماء، وتطرح أسئلة عن القدرة على التعاطف واللقاء في زمن التوتر.
المسرح هنا لا يقرأ العرض فحسب، بل يجعلك شريكًا في تجربة إنسانية متكاملة، حيث تصبح الحرب حالة نفسية قبل أن تكون حدثًا موضوعيًا
لغة مسرحية متكاملة، تحاكي التحليل والنقد والتجربة الفنية في آن واحد، صاغها المبدع جورج خباز كتابة وإخراجاً ولحناً وتمثيلاً الى جانب الرائع عادل كرم، والمسرحية من إنتاج طارق كرم.
جائزة خامسة جديدة حصدها جورج خباز كأفضل ممثل عن دوره في فيلم “يونان” للمخرج أمير فخر الدين، كما فاز الأخير بجائزة أفضل مخرج، وذلك في حفل ختام مهرجان البحر الأحمر السينمائي الذي كان يحضره أنطوني هوبكينز مُكرَّماً وجوني ديب وإدريس ألبا الى جانب حضور كبير من ألمع صنّاع ونجوم السينما في العالم.
أهدى خباز جائزته لوطنه لبنان، كما حصد الفيلم اللبناني “نجوم الأمل والألم” للمخرج سيريل عريس جائزة أفضل سيناريو.
ويُعد مهرجان البحر الأحمر السينمائي من أهم مهرجانات العالم العربي على مستوى عالمي من التنظيم والضيوف. وقد قدم الجائزة لخباز الممثل الحائز على الأوسكار ريز أحمد، مشيداً بأداء خباز الاستثنائي، ورئيس لجنة التحكيم المخرج الحائز على أربع جوائز أوسكار شون بيكر، والمخرجة اللبنانية-العالمية نادين لبكي، التي عبّرت في كلمتها عن فخرها بجورج خباز الذي بدوره يُشعِرُها بالاعتزاز والفخر بلبنانيتها.

